الرئيسية
مقالات واراء
الدكتور علاء الحراحشة
تفرض الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها الكرك وعمّان ضرورة مراجعة السياسات المرتبطة بحماية المجتمع، وفي مقدمتها التشريعات الجزائية وإجراءات تطبيقها. وتكتسب هذه المراجعة أهميتها من مسؤولية الدولة عن حماية الأرواح، ومن الحاجة إلى تقييم علمي لمدى كفاية الأدوات القانونية والمؤسسية في مواجهة هذه الجرائم.
ومن منظور أكاديمي، تتطلب المطالبة بتعديل القوانين وتغليظ العقوبات تحديد المشكلة المراد معالجتها بدقة. فقد تتصل الحاجة بحدود العقوبة، أو بضوابط التخفيف، أو بكفاءة التنفيذ، أو بفاعلية الوقاية والتأهيل. ولكل مجال أدواته ومعايير تقييمه، ويقتضي تطوير السياسة الجنائية دراسة العلاقة بين هذه المجالات مجتمعة.
ويبرز هنا التمييز بين شدة العقوبة وفاعليتها. فالأولى تتعلق بمقدار الجزاء، بينما تتصل الثانية بقدرته على تحقيق أهدافه ضمن منظومة العدالة. وتؤكد مراجعة بحثية نشرها المعهد الوطني للعدالة في الولايات المتحدة أهمية احتمالية كشف الجريمة والقبض على مرتكبها في الردع، ومحدودية الاعتماد على زيادة شدة العقوبة وحدها. وتستدعي الاستفادة من هذه الأدبيات مراعاة خصوصية الجرائم الإرهابية والسياق الأردني، وإجراء دراسات محلية قبل تعميم النتائج.
وفي الحالة الأردنية، ينص قانون منع الإرهاب أصلًا على الإعدام عندما يؤدي العمل الإرهابي إلى موت إنسان. ولذلك، ينبغي أن تتناول المراجعة التشريعية الحدود الدنيا للعقوبات، والأفعال المجرّمة التي تسبق الاعتداء، وأحكام التكرار، وضوابط التخفيف، وآليات تنفيذ الأحكام. ويصبح تغليظ العقوبة مبررًا عندما تكشف الدراسة قصورًا في تناسبها مع خطورة الفعل أو دور مرتكبه.
وتتطلب هذه الدراسة قاعدة معلومات تجمع، ضمن الضوابط القانونية، بيانات الأحكام ومدد التنفيذ وحالات العودة إلى الجريمة ونتائج برامج التأهيل. ومن الضروري التمييز بين تكرار النشاط الإرهابي وغيره من صور المخالفة القانونية، وتحديد فترة المتابعة ومعايير القياس، حتى تستند التوصيات إلى نتائج قابلة للفحص والمقارنة.
كما ينبغي تقييم الأثر المتوقع لأي تعديل قبل إقراره، ثم متابعة نتائجه بعد التطبيق. ويشمل ذلك تحديد الهدف من رفع العقوبة، والفئات القانونية التي يشملها التعديل، وانعكاساته على عمل القضاء ومؤسسات الإصلاح والتأهيل. ويساعد هذا المنهج على توجيه التعديلات نحو حاجة محددة، وعلى تصحيحها إذا لم تحقق أهدافها.
وللجامعات ومراكز البحث دور أساسي في هذا المجال. ويمكن أن تسهم من خلال فرق متعددة التخصصات تضم باحثين في القانون وعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية والإعلام، لدراسة آليات الاستقطاب والتحريض، وتقييم البرامج الوقائية والتأهيلية، وتقديم توصيات إلى الجهات المختصة. ويقتضي نجاح هذا الدور إتاحة بيانات منضبطة تحمي الخصوصية، وتمكين الباحثين من العمل باستقلالية ومنهجية واضحة.
وفي البعد الوقائي، تستحق البرامج التعليمية والإعلامية تقييمًا يتجاوز عدد الأنشطة والمشاركين إلى قياس أثرها الفعلي. ويمكن للبحث العلمي أن يساعد في تطوير أدوات تعزز التفكير النقدي، وتكشف خطاب التحريض على العنف، وتحدد وسائل التدخل الملائمة، دون وصم فئة اجتماعية أو منطقة أو عائلة.
وتظل مبادئ الشرعية والتناسب وشخصية المسؤولية وضمانات المحاكمة العادلة أساسًا لأي تطوير تشريعي. فوضوح النصوص ودقة الإثبات واستقلال القضاء تمنح المحاسبة قوتها ومشروعيتها، وتحفظ حقوق الضحايا والمتهمين.
إن المراجعة المطلوبة تستدعي تعاونًا منظمًا بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والجامعات، ينتهي إلى تعديلات محددة ومؤشرات معلنة لتقييمها. وتُقاس قيمة هذا الجهد بما يحققه من حماية للأرواح، ومحاسبة عادلة، وتقليل لمخاطر تكرار الجريمة.




الرجاء الانتظار ...