الرئيسية
أحداث منوعة
أحداث اليوم -
فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
ضمن فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحي في دورته التاسعة عشرة في البتراء، قدمت المسرحية الإماراتية «تثاؤب المساء» تجربة مسرحية كثيفة في أسئلتها، تنبش في المناطق الرمادية بين الحياة والموت، وبين الحب والامتلاك، وبين انتظار الغائب وانتظار النهاية، عرضٌ لا يتعامل مع الموت بوصفه خاتمة، بل باعتباره حالة مستمرة، فيما يتحول الحب إلى سؤال فلسفي عن الاستحقاق، وعن الإنسان حين يحاول أن يمنح معنى لوجوده في عالم يبدو عبثياً ومهدداً بالانهيار.
من أمام الخزنة في البتراء، وبين الصخور وضجيج الليل، يبدأ المشهد من فضاء يبدو كأنه بقايا عالم تحطم للتو. مقاعد سيارات منزوعة من أماكنها، طاولة تتناثر فوقها الأدوات، جزء من هيكل سيارة، مقعد فارغ، وستاند حديدي تتدلى منه الملابس. لا تقدم السينوغرافيا مكاناً محدداً بقدر ما تقدم أثراً لمكان، شيئاً يشبه ما تبقى بعد أن تنتهي الحياة من ترتيب نفسها.
في الخلفية يأتي صوت يقول، «أجمل الأماكن مكان لم نعرفه بعد»، قبل أن تنفجر أصوات الرصاص والانفجارات، فيتحول الوعد بالمجهول إلى تهديد مباشر. يرفع الشاب الجالس في الخلف رأسه، ينزع القناع عن فمه وأنفه، ثم يأتي صوت آخر معلناً انتهاء عصر «الزعيم الأكبر»، لتبدأ أغنية «أجيال ورا أجيال».
منذ هذه اللحظة، يضع العرض المتلقي أمام عالم لا يمكن الوثوق بثباته، عالم تتجاور فيه الموسيقى مع الرصاص، والاحتفال مع الموت، والضحك مع الخوف.
يتقدم عبدالله صنقور إلى فضاء اللعب، يشعل سيجارته ويستمع إلى الموسيقى، ثم يتجه إلى الجسد الجالس أمامه، يحمله على كتفه ويرقص به، قبل أن يعلقه على ستاند الملابس كما لو كان قطعة قماش، لا إنساناً، هذه الصورة المسرحية الصادمة تختصر الكثير من فلسفة العرض، حين يفقد الإنسان حضوره، يصبح الجسد مجرد مادة قابلة للنقل والتعليق والتحريك.
يقول عبدالله، «هناك دورة واحدة في هذه الحياة، تعيش ومن ثم تموت»، لكن العرض لا يكتفي بهذه الحقيقة البيولوجية البسيطة، بل يبدأ في مساءلتها، ماذا يحدث عندما يصبح الموت رفيقاً للحياة؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يتحول الموت إلى عادة، والانتظار إلى أسلوب وجود؟
تظهر شخصية ياسين الدليمي بوصفها الطرف الآخر في هذه الثنائية، شاب يجلس في معظم العرض على المقعد، قليل الحركة، وكأنه معلق بين الوجود والغياب، وحين يتكلم، تأتي كلماته من منطقة مختلفة، أكثر هدوءاً وتأملاً، فيسأل «أيعقل أن ينتهي هذا المساء؟».
هنا يصبح «المساء» في عنوان العرض أكثر من زمن عابر، إنه حالة وجودية، مساء طويل لا يريد أن ينتهي، أو ربما لا يستطيع أن ينتهي، لأن النهاية تعني مواجهة الحقيقة.
في مقابل هذا السكون، يتحرك عبدالله في الخشبة ككائن متمرد على قوانين العالم، يحذر من النوم، يصرخ في الآخرين، يبحث عن أصواتهم، يريد المطر، يريد احتفالاً، يريد عروساً، يريد أن يأتي الغائبون، إنه يتحرك كمن يرفض أن يستسلم للموت، لكنه في الوقت ذاته يبدو أسيراً له، يحاول عبثاً أن يصنع احتفالاً في عالم ينهار من حوله.
ومن أجمل الصور البصرية في العرض تلك التي تتشكل مع الرمال والمطر، ينثر عبدالله الرمل حوله وعلى جسده، ثم يرقص غاضباً على وقع الموسيقى وأصوات المطر، قبل أن يطلق سؤاله «أتعتقد أن قطرات المطر ستعيد الزهور لمكانها؟»
السؤال هنا لا يبحث عن إجابة بقدر ما يكشف عن استحالة استعادة ما فقد، المطر قد يعيد الحياة إلى الأرض، لكنه لا يعيد بالضرورة ما اقتُلع منها، والزهور التي غابت تصبح صورة للذين رحلوا، ولعلاقات لم يعد ممكناً ترميمها، ولعالم يحاول الإنسان إعادة ترتيبه بالماء بينما يحتاج إلى معجزة.
ويأتي الحوار بين الشخصيتين ليعمق هذا الاشتباك الفلسفي، حين يسأل أحدهما عن امتلاك الآخر، تأتي الإجابة، «التربة لا تبحث عن الجذور، بل الجذور هي التي تبحث عنها»، وهي عبارة تفتح العرض على سؤال الانتماء، هل الإنسان يمتلك الأرض، أم أن الأرض هي التي تمتلك ذاكرته وجذوره؟
ثم يعود الهاتف إلى الرنين، بوصفه صوتاً يأتي من خارج المكان، حاملاً احتمالاً جديداً للانتظار. وبين الماء والقماش والملابس، يبدأ عبدالله في البحث عن عروسه، ويصرخ بأنه ملّ الانتظار ويريد أن يخلع هذه الملابس، تتحول الملابس هنا إلى طبقة أخرى من الأقنعة الاجتماعية، ما يرتديه الإنسان، وما يخفيه، وما يريد أن يظهر به أمام الآخرين.
يُلبس ياسين قطعة قماش بيضاء، ويحمله عبدالله على كتفه ويرقص به، في مشهد يبدو للوهلة الأولى احتفالياً، لكنه سرعان ما ينقلب إلى صورة جنازية، الأبيض هنا لا يحدد إن كان لباس زفاف أم كفناً، وكأن العرض يتعمد إزالة الحدود بين الاحتفال بالميلاد والاحتفال بالموت.
وهذا الالتباس هو أحد أكثر عناصر «تثاؤب المساء» قوة، فالعرس والجنازة يبدوان وجهين لمشهد واحد، والحبيب والغائب والجثة قد يكونون جميعاً شخصاً واحداً في ذاكرة الآخر.
وفي مقطع آخر، يقف عبدالله أمام المرآة، يتزين ويتغزل في نفسه، «أنا جميل و فاتن»، يذهب إلى مساءلة مفهوم الجمال والحب، ويستحضر سقراط والفلسفة والنظرة إلى الجمال الداخلي والخارجي، قبل أن يصل إلى قناعة ساخرة بأن الجمال هو النقيض المباشر للقبح.
هنا تتحول المرآة إلى محكمة للذات. الشخصية لا تبحث عن حب الآخرين فقط، بل تحاول إقناع نفسها بأنها تستحق الحب، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة هذه القناعة، فكلما ازداد حديثها عن الجمال، بدا أنها أكثر خوفاً من الرفض.
ثم يأتي الماء بوصفه أداة تطهير، يسكب عبدالله الماء على جسده متسائلاً «كيف يقتنعون أن هذا العذاب تطهير؟»، لتتسع الدائرة من الحب إلى الخطيئة، ومن الجسد إلى الروح، ومن الرغبة إلى مفهوم الخلاص، ليطلق سؤالا "اين هو صديقي؟"،وفي مواجهة ذلك، يعود صوت ياسين من مكانه الثابت، «أنا هنا، دائماً هنا».
إنها جملة تبدو بسيطة، لكنها تختزل العلاقة بين الشخصيتين، أحدهما لا يتوقف عن الحركة، والآخر لا يكاد يتحرك، أحدهما يرفض الصمت، والآخر يبدو وكأنه يعيش داخله، أحدهما يطارد الحياة، والآخر يشبه الموت الذي يرافقه.
وتبلغ المواجهة ذروتها عندما يصرخ عبدالله، «ليست النوايا من تدخل الجنة، بل الأعمال»، قبل أن يعود إلى صديقه ويسأله«كيف لك أن تحب وأنت جثة هامدة؟»هنا يصل العرض إلى قلب سؤاله, هل يمكن للحب أن يستمر بعد أن يتحول الآخر إلى غياب؟ وهل يحتاج الحب إلى جسد حاضر حتى يكون حقيقياً؟
يحمل عبدالله صديقه ويلقيه أرضاً، ثم يغطيه بردائه، بينما تتعالى في الخلفية الشعارات الوطنية والأخبار، قبل أن تأتي العبارة «مات الخائن»، وتتجدد أصوات الإنذارات والرصاص والانفجارات.
في هذه النهاية، يعود العالم الخارجي بكل عنفه، وكأن كل الأسئلة الفلسفية التي عاشها الشخصان لم تكن منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي, فالموت الفردي يتداخل مع الموت الجماعي، والخيانة والحب والوطن والجسد تصبح مفاهيم تتصارع في فضاء واحد.
إخراجاً وتأليفاً، اختار حافظ أمان أن يبني «تثاؤب المساء» على بنية مفتوحة، لا تقدم الحكاية في مسار تقليدي، وإنما تدفع المتلقي إلى تركيبها من الصور والإشارات والحوار, ويسانده في الإخراج حسن يوسف، الذي تولى كذلك تصميم وتنفيذ السينوغرافيا، فصنع فضاءً من بقايا الأشياء, سيارات مفككة، مقاعد، ملابس، طاولة وأدوات، لتبدو الخشبة كأنها ذاكرة عالم ما بعد الانهيار.
أما عبدالعزيز الخميس، مصمم ومنفذ الموسيقى، فقد جعل الصوت جزءاً أساسياً من البناء الدرامي، من الأغاني إلى الرنين والرصاص والانفجارات وأصوات المطر، بحيث لا تعمل الموسيقى كخلفية، وإنما كقوة تدفع الشخصيات وتكشف اضطرابها الداخلي, فيما أسهم أحمد عبدالله راشد في تصميم الإضاءة في تشكيل التحولات البصرية للفضاء، وإبراز الانتقالات بين حالات الاحتفال والانتظار والموت.
ويحضر عبدالرحمن الهاشمي في إدارة الإنتاج، ضمن منظومة العمل التي قدمت هذا البناء المسرحي المركب في فضاء البتراء, أدائياً، كان عبدالله صنقور متمرداً على واقع البشر, أداء قوي يراوح بين الثبات والانفلات، وبين العقل والجنون, جسده لا يتوقف عن إنتاج المعنى، وحركته المتكررة بين الرقص والحمل والصراخ والتحدي تجعل الشخصية كأنها طاقة عصية على الاحتواء، تبحث عن إجابة في عالم لا يقدم إجابات.
وفي المقابل، يقدم ياسين الدليمي واحداً من أكثر عناصر العرض إثارة للانتباه, إذ ظل معظم الوقت جالساً، قليل الحركة، حتى بدا كأنه جسد بلا روح أو جثة مؤجلة, وقد تطلب هذا الأداء قدرة عالية على التحكم الجسدي، لأن الثبات على الخشبة ليس فراغاً أدائياً، بل فعل يتطلب وعياً دقيقاً بكل عضلة ونَفَس ونظرة, هذا السكون الطويل تحول إلى حضور طاغٍ، وأصبح صمت الشخصية جزءاً من لغة العرض، بل ربما أحد أكثر أصواته وضوحاً.
وفي المحصلة، تقدم «تثاؤب المساء» نفسها كرحلة في فلسفة الموت والحب، لكنها لا تمنح المتلقي راحة الإجابة, إنها تتركه أمام عالم تختلط فيه الجثة بالعاشق، والعرس بالجنازة، والمطر بالدم، والانتظار بالموت.
ولعل أكثر ما يميز التجربة أنها لا تسأل فقط, من يستحق الحب؟ بل تذهب إلى السؤال الأكثر قسوة, هل نستطيع أن نحب الحياة في عالم يجعل الموت أكثر حضوراً منها؟, في «تثاؤب المساء»، لا يتثاءب المساء لأنه متعب، بل لأن العالم نفسه يبدو وكأنه فقد قدرته على الاستيقاظ.




الرجاء الانتظار ...