الرئيسية
مقالات واراء
تابعتُ بهدوء تلك التي أساءت للعلم.
شاهدتُ الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم، لكن ما شدّني أكثر ،، لم يكن الفيديو، بل ما تلاه.
كمية الغضب كانت أكبر من المشهد نفسه.
وسرعان ما تحوّل النقاش من “ماذا قالت؟”
إلى “من هي؟”
ثم إلى “كيف نحاسبها؟”
وما لفتني أكثر ،، ليس فقط حجم الغضب ،، بل اتجاهه أحياناً.
بمجرد أن يخطئ شخص ،، يبدأ البعض بالبحث عن “أصله” ،، لا عن خطئه.
وكأن الخطأ لا يُنسب لصاحبه ،، بل يُحمَّل على مكوّن كامل.
وهنا تحديداً ،، يظهر ظلم واضح بحق المكوّن الفلسطيني ،،
حيث يُحمَّل أحياناً تبعات أخطاء فردية لا علاقة له بها.
نحن هنا لا نتحدث عن حادثة بعينها ،،
بل عن نمط يتكرر ،، كلما ضاقت زاوية النقاش.
لأن الوطن لا يُدار بتوزيع الأخطاء ،،
ولا بتصنيف الناس عند أول زلّة.
ومن الظلم أن يتحوّل أي مكوّن ،،
وخاصة المكوّن الفلسطيني ،،
إلى شماعة نعلّق عليها ما لا نريد مواجهته.
الأردن ،، في جوهره ،، لم يقم على هذا المنطق ،،
ولا استمرّ به.
ربما أخطأت السيدة في التعبير، وربما لم تُحسن اختيار كلماتها، لكن المؤكد أنها وجدت نفسها في مواجهة موجة قاسية من الشتائم.
هي ابنة وادي موسى، ومن عائلة أردنية تعرف هذا البلد جيداً ،، وتحبّه بطريقتها.
وأنا هنا لا أبحث عن تبرير الخطأ، بل عن مساحة ،، لا تتحوّل فيها زلّة إلى لائحة اتهام كاملة.
نحن لسنا مجتمعاً بلا ذاكرة.
نتذكّر جيداً كيف تعاملت الدولة، في زمن الحسين بن طلال، مع لحظات أصعب بكثير من كلمة.
محاولة اغتيال ،، لم تُقابل بالانتقام، بل بالعفو.
ولم يكن ذلك ضعفاً ،،
بل ثقة بدولة تعرف متى تعاقب ،، ومتى تتجاوز.
المشكلة اليوم ليست في رفض الخطأ، بل في طريقة الرفض.
نغضب بسرعة ،، ونحكم أسرع.
نرفع سقف العقوبة ،، وكأننا لا نؤمن بفكرة التصحيح ،، بل بالإلغاء.
المفارقة التي لا ننتبه لها:
قد تكون تلك التي أخطأت ، أكثر ارتباطاً بهذا البلد من بعض من شتمها.
لأن الوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت ،، ولا بعدد الإهانات التي نطلقها باسمها.
القضية ليست الدفاع عن شخص، بل الدفاع عن ميزان.
ميزان لا يميل مع الغضب ولا يُدار بردّة الفعل.
احترام العلم لا يكون فقط برفعه، بل بطريقة تعاملنا مع من أخطأ بحقه.
لأن الوطن لا يُحمى بالصوت العالي بل بالعقل الهادئ.




الرجاء الانتظار ...