الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    رسالة عمان .. درة المواهب الهاشمية في صياغة هوية الامة .. رسالة محبة

    الدكتور محمد عوض الزبيدي

    لطالما كانت المحبة ركيزةً أساسية وعلامة فارقة في الفكر الديني والسياسي للأردن منذ تأسيسه، ومبدأً عمليًا للتعامل الإنساني القائم على تحقيق السلام العالمي والوئام الاجتماعي. وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في “رسالة عمّان” التي اطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني أبن الحسين عام 2004، استجابةً لظروف ملحّة لمعالجة أزمات داخلية وخارجية واجهت العالم الإسلامي.

    رسالة عمان لم تأتِ بفكرٍ جديدٍ في العقيدة الإسلامية أو شريعتها، بل عملت على أعادة إحياء المفاهيم الجوهرية في الإسلام التي غلب عليها الغبار بفعل التطرف والجهل، وجاءت للعمل على إبراز الصورة الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف، ومحاربة التكفير، والحدّ من الفوضى الدينية، وترسيخ منهج الوسطية، والاعتدال وتعزيز قيم العيش المشترك...
    والاصل الراسخ في صياغة الطبيعة الحقيقية للأمة وهي منظومة الأخلاق والقيم والدوافع التي تشكل روح الامة والمعتقدات الراسخة التي تشكل الهوية الدينية...
    وهي في جوهرها، امتدادٌ لرسالة النبي محمد ﷺ القائمة على الرحمة والعدل.

    وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند فكر صاحب السمو الأمير غازي بن محمد في كتابه “الحب في القرآن الكريم”، حيث يُعدّ سموه صاحب فكر عميق مرتبط برسالة عمّان، وكان مشرف بارز على صياغتها العلمية. فقد عمل سموه بتوجيهات جلالة الملك على تحويل الرؤية الملكية إلى منهجية عملية، من خلال ضبط الفتوى، ومنع التكفير، وتحديد أطر الفهم الصحيح للإسلام. كما قاد مبادرات عالمية، مثل مبادرة “كلمة سواء”، لتعزيز الحوار والتعايش بين الأديان، امتدادًا لمبادئ رسالة عمّان في نشر المحبة والسلام، ومناداة إلى وصل ما انقطع بين العلوم والأحكام الشرعية و العلوم الاجتماعية والإنسانية.
    وكل ذلك في سياق يضمن فقها متجددا... يضمن ادخال الواقع دون أن يتخلى عن أصوله..
    وكذلك دعوة إلى أن نفهم ذواتنا قبل أن نتفاعل مع الآخرين؛ استيرادا لنماذج الآخرين..
    كما يتوجب علينا في ظل هذه الظروف أن نستحضر افكار المفكر العربي عبدالحميد الزهراوي الذي استُشهد قبل قيام الثورة العربية الكبرى، والذي قدّم في كتابه “الخديعة أو الحب” طرحًا تنويريًا دينيا سبق رسالة عمّان. فقد تصدى الشهيد الزهراوي للتعصب والتحجر الفكري، وانتقد سوء فهم الدين الأسلامي الحنيف الذي أسهم في تراجع الأمة، داعيًا إلى العودة إلى جوهر الإسلام العظيم القائم على العقل والعدل.

    ويرى الزهراوي في كتابه أن المحبة ليست مجرد شعور عاطفي، بل هي دافع للإصلاح ووسيلة للارتقاء، إذ إن حب الإنسان لنفسه يقوده إلى طلب الصلاح، ومن ثم إلى محبة الخير للآخرين. وتمتد هذه الرؤية إلى البعد الوطني، حيث اعتبر أن الرابطة الوطنية هي شكل من أشكال المحبة الاجتماعية التي توحّد مكونات المجتمع مع الحفاظ على خصوصية كل منها، في إطار من الانتماء والهوية الجامعة.

    وتتجلى نقاط الالتقاء بين رسالة عمّان وفكر كلٍّ من الأمير غازي والزهراوي في محاور رئيسية: المحور المرتبط في محاربة الغلو والتطرف: حيث تُعدّ رسالة عمّان إطارًا توجيهيا للوقوف بوجه التطرف، كما يرى الزهراوي أن المحبة كفيلة بتفكيك مظاهر الخديعة باسم الدين.
    ثانيا الوسطية والاعتدال: التأكيد على أن الوسطية تمثل النهج الأصيل لأهل البيت وعلماء الأمة.
    الوحدة والإجماع: السعي لتحقيق الإجماع الإسلامي وتوحيد الصفوف على أسس صحيحة.

    وهنا أعيد التأكيد على أن رسالة عمان الهاشمية في المحبة تمثل نموذجًا معاصرًا لإحياء الفكر الإسلامي الأصيل، وترسيخ قيم التسامح والاعتدال، استنادًا إلى تأصيل شرعي وفلسفي عميق لمفهوم المحبة، بوصفها الرابط بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان وهو جوهر وجود الكون.





    [23-03-2026 09:35 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع