الرئيسية
صوتنا
أحداث اليوم - لفت انتباهنا في الآونة الأخيرة نمط انتشار الأخبار داخل مجموعات الواتس آب، والتي باتت تُعد المنصة الأكثر تأثيرًا وانتشارًا في الأردن، ليس فقط كوسيلة لنقل الخبر، بل كأداة مركزية في صناعة “تفاعل اجتماعي” يُعاد ضخه لاحقًا عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، ليشكل المزاج العام ويوجه بوصلة الاهتمام الشعبي.
المشهد يخرج عن السيطرة ليلًا. تتدفق الأخبار الثقيلة دفعة واحدة: الحرب، إيران، لبنان، غزة، القصف، التوغلات، الاجتياحات، الاعتقالات، تحركات الأساطيل، تحليق القاذفات الاستراتيجية، وتسريبات وتغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في البداية، بدا الأمر وكأنه مرتبط بفارق التوقيت مع الولايات المتحدة، حيث تبلغ ذروة التفاعل الإعلامي هناك في ساعات الليل بتوقيتنا المحلي، وكان هذا التفسير يبدو منطقيًا.
إلا أن تكرار هذا النمط، ليلة بعد أخرى، يشير إلى ما هو أبعد من مجرد فروقات زمنية. ثمة شعور متزايد بأن هناك إدارة غير معلنة لمستوى التوتر المطلوب، وصناعة مقصودة لحالة من نزع اليقين، في ظل صمت رسمي لافت، أو انتقال المؤسسات الرسمية إلى موقع المتفرج، لا المبادر. بل إن بعض الجهات الرسمية، حين تكون الأخبار مرتبطة بالحكومات، تبدو أحيانًا جزءًا من حالة “تفاعل الاستباحة” نفسها، عبر الصمت أو إعادة تدوير المشهد دون ضبط أو توضيح.
وما إن تشرق الشمس في الأردن، حتى يتبدل المشهد كليًا. يتحول اهتمام الرأي العام إلى أخبار الرواتب، وسعر صرف العملة، والمنخفضات الجوية، وأسعار المحروقات. وكأن أخبار الليل قد تبخرت، أو أُسدل عليها ستار الانتظار حتى حلول الليلة التالية. هذا الانفصام اليومي بين “ليل سياسي ملتهب” و”نهار معيشي بارد” أصبح سمة واضحة في المشهد الإعلامي المحلي.
ومن وجهة نظر أحداث اليوم، فإن هذا الانفصام الإخباري في الحالة الأردنية لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، ويعود إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أبرزها:
أولًا، الدخول المكثف لأخبار الاحتلال، وحديثًا محتوى منصات التواصل الاجتماعي باللغة العبرية، إلى الفضاء الإعلامي العربي والأردني. باتت كل تغريدة يكتبها صحفي أو ضابط في كيان الاحتلال تحظى بتفاعل وانتشار يفوق، في كثير من الأحيان، بيانات أو مواقف حكومات عربية، ما خلق خللًا واضحًا في ميزان الرواية والتأثير.
ثانيًا، الانحياز الإعلامي العربي، حيث تنقسم القنوات والمنصات بين تيارات ومحاور سياسية متخاصمة، وكل طرف يوظف أدوات الدعاية السوداء لخدمة روايته. فيُضخَّم حدث هامشي، ويُسخف حدث مفصلي، ويجد المتلقي الأردني نفسه وسط ضجيج إعلامي يفتقر إلى المعايير المهنية.
ثالثًا، تضارب الروايات على مختلف المستويات: الفلسطينية مع رواية الاحتلال، العربية مع العربية، الإيرانية مع الأمريكية. هذا التضارب لا يصل إلى الجمهور كمجرد اختلاف سياسي، بل كحالة ارتباك عميق تفتقد إلى مرجعية واضحة وحاسمة.
رابعًا، تصاعد استخدام الدعاية والحرب النفسية، عبر عناوين مثيرة من قبيل: “تحرك القاذفات الأمريكية” أو “انظروا إلى السماء الليلة”، مرفقة بصور ومقاطع قديمة أو مفبركة، تُنشر بهدف خلق حالة من القلق والهلع، تمتد آثارها إلى الشارع الأردني، رغم أن الحدث قد يكون بعيدًا جغرافيًا أو غير دقيق.
خامسًا، صعوبة التحقق من الأخبار، نتيجة الإغلاقات، والتضييق، والخشية من الملاحقة، ما يحد من قدرة الصحفيين المحترفين على العمل الميداني، ويترك المجال واسعًا أمام مصادر مجهولة ومحتوى غير موثوق.
سادسًا، الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في دبلجة الأخبار، وتوليد الصور، وصناعة التقارير والقصص الملفقة أو شبه الملفقة، التي تُضخ في سياقات سياسية حساسة دون قدرة كافية لدى الجمهور على التمييز.
سابعًا، الاستخدام العشوائي والمفرط لمصطلحات إعلامية مثل “اشتباكات عنيفة”، “قصف متبادل”، و”مئات القتلى”، دون تدقيق أو سياق، ما يزرع الخوف والهلع في الوعي الجمعي الأردني.
لاحقًا، يكتشف الجمهور أن نسبة كبيرة من أخبار الليل كانت مضللة أو مبالغًا فيها، لكن بعد أن تكون الفوضى النفسية قد انتشرت، وارتبك الشارع، واستُهلكت الأعصاب. وفي كل ذلك، يظل الصمت الرسمي عاملًا مضاعفًا لفقدان الثقة.
إن فقدان اليقين لا يعني غياب الحقيقة، بل يعكس صراعًا إقليميًا ودوليًا شرسًا على الرواية. وفي زمن الحروب المفتوحة، لم تعد المعركة محصورة في الميدان أو السياسة، بل أصبحت الرواية نفسها هي ساحة الاشتباك، والقصة هي السلاح، والجمهور هو الهدف.



