الرئيسية
أحداث دولية
أحداث اليوم - كتب - عبدالحكيم القرالة
ماذا بعد «داعش» في الموصل سؤال برسم الاجابة عليه بروية وواقعية وتفكير اعمق بسيناريوهات تنظيم «داعش» الارهابي ما بعد الهزيمة العسكرية، ومآلاته تنظيميا وفكريا.
هل انتهى هذا التنظيم بعد انقضاء «خرافة الدولة»؟ أم انه سيخلع ثوبه ويعود الينا بحلة جديدة تحمل ذات الافكار والمعتقدات؟ وهل هو قادر على اعادة بناء ذاته عسكريا مدعوما بعقيدته وفكره المتطرف الذي لا زال فكر الكثيرين من ضحاياه؟.
اسئلة كثيرة وعديدة انتجتها الاحداث الاخيرة في الموصل فهل انهزام التنظيم عسكريا يعني زواله نهائيا فكريا وعقائديا، ام ان تابعيه ومؤيديه ما زالوا بين ظهرانينا وسيواصلون تطرفهم باساليب مواجهة جديدة.
الهزيمة التي لحقت بالتنظيم في الموصل هل تعني زوال خطره تنظيميا وفكريا في ظل البيئات والظروف المحفزة للتطرف التي لا زالت حاضرة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية وتستهدف الشباب المسلم؟.
تاريخ الحركات المتطرفة يقول غير ذلك فلطالما تعددت المسميات والافكار وتبدلت على مدى عقود، لكنهم ولدوا من رحم واحد مهما اختلفت الظروف الزمانية والمكانية وبعض الفكر لا كله.
من «القاعدة» وحروب العدو القريب والبعيد الى «داعش» ووهم الدولة نجد ان القاسم المشترك هو الغلو والتطرف ومعاداة الانسانية واختطاف سماحة وعدالة الاسلام والصاق الجرائم الارهابية باسمه.
وفي هذا فان العالمين العربي والاسلامي كانا الخاسر الاكبر من تطرف هذه التنظيمات من جهة ضحايا هذه التنظيمات و اعمالهم الجرمية و ضحاياها الفكرية من جهة اخرى،وهنا مكمن الخطورة.
الظروف والبيئات المُهيئة
التي انجبت التنظيم مازالت موجودة
من هنا شَكَّل تنظيم داعش طفرة يمكن إلتقاط تجلياتها إقتضابا في ثلاثة جوانب رئيسة: الدعاية الإعلامية والسياسية للتنظيم، دور المرأة الداعشية والطفل الداعشي، وقدرة التنظيم على إستقطاب عدد غير مسبوق من المقاتلين الأجانب كما يرى الباحث في العلاقات الدولية بارق محادين.
ويشير الى «جيل كامل من الدواعش هم أكثر خطورة وأكثر فظاعة من كل ما شهدنا مسبقا؛ فهؤلاء «الأشبال» على سبيل المثال لم يُغرّر بهم بعد عقدين او أكثر من المحاولات الفاشلة في إيجاد معنى لحياتهم او فرصة إقتصادية واجتماعية عادلة.
ويلفت الى ان هذا الجيل لم يكن في مرحلة بحث عن هوية او تعزيز أخرى، ولم يترك أعماله نصرة لظلم او جير أصاب من يشاركهم الدين والعروبة، بل هو جيلٌ كاملٌ نشأ وترعرع في ظل هذه الخلافة وشكّل في مدارسها وبأُطُرِ تشريعاتها نظرته للعالم ووظيفته فيه.
وينبه الى ان في هذه الجوانب مجتمعة ما يدعو إلى الكثير من القلق وما يؤشر على عُمق الأزمة التي نمر بها، نكرر أن الإنتصار العسكري لن يساعدنا كثيرا في الإجابة عن هذه الأسئلة الوجودية التي نحاول طرحها.
ويرى محادين أن داعش جاء نتيجة لأزمة بنيوية عميقة عصفت ولا تزال بالمنطقة العربية، ونحن بدورنا لم نعترف بعد رسميا بوجودها حتى اليوم،لافتا في هذا الصدد إلى ان الظروف الدافعة والبيئات المُهيئة التي تَغذّى عليها التنظيم إبان صعوده وشكلت له شريان الدم والحياة ما زالت موجودة وحاضرة، لا بل إزدادت تعقيداً وسوءا عما كانت عليه في السنوات الماضية.
ويقول إننا «وفي جهودنا نحو تدمير داعش وهزمه، هزمنا ايضا الكثير من الناس العاديين التي دُمِرت مدنهم، وبنيت لهم مخيمات لجوء ونزوح، وذهب كثير من ممتلكاتهم وآلامهم وإحباطاتهم وأوجاعهم في مهب الريح، فأصبحوا اليوم أكثر عُرضة للتطرف العنيف والمسلح، فهو في نهاية المطاف تعبيرٌ عن وجعٍ وضيقٍ لم نعالجهما بعد.
وحول مآلات التنظيم يشير الباحث محادين الى انه أثناء ما يقارب الثلاثة أعوام مضت منذ ان اعلن التنظيم عن قيام دولة الخلافة، تشكل واقع مرير وصعب جدا على الارض، وفي هذا فرصة سيغتنمها التنظيم بكل تأكيد لإعادة ترتيب صفوفه وأوراقه واستراتيجياته. ولفت الى ان من يتعمق في دراسة صعود هذا التنظيم والمراحل المختلفة التي مر بها منذ عام 2006، سيدرك تماما ان بإستطاعته تغيير جلده كما الثعبان والعودة برواية جديدة وسردية جديدة مستغلا مأساة «مكانك سِر» التي نعانيها منذ عقود.
هزيمة التنظيم عسكرياً
لا تعني انتهاءه فكرياً وتنظيمياً
ويتساءل الكاتب والمتخصص في الجماعات الاسلامية الدكتور محمد أبو رمان «إلى أيّ مدىً يمكن القول إنّ المعركة مع «داعش « انتهت، وإنّ «المشروع» تنظيمياً وفكرياً انتهى، خصوصا أنّه قام على نظرية الخلافة الموعودة، ما جذب إليه آلاف الشباب العربي والمسلم المخدوع، بحثاً عن «يوتوبيا الهوية» المنشودة، فإذا بهم يواجهون مذبحةً حقيقية، وقبل ذلك يتحوّلون «وحوشا بشرية»، ليتواءموا مع طبيعة التنظيم الدموية.
ويقول في مقال في صحيفة العربي الجديد ربما السؤال الأخير هو الذي يوحي بمستوى «التعقيد» والصعوبة في بناء توقعاتٍ متينةٍ لمستقبل «داعش» في العراق وخارجها، لكن المؤكّد، بمنطق الأسباب والنتائج ودراسة الظواهر الراديكالية الإسلامية في التاريخ المعاصر، أنّ انتهاء دولة داعش لا يعني بأي حال الحديث عن آخر داعشي، كما تفاءل حيدر العبادي، لا في العراق ولا في خارجه.
ووفق ابو رمان فان الشروط التي أنتجت صعود «داعش» ما زالت قائمة وفاعلة، بل ربما تزداد حضوراً، خصوصاً في العراق، مع انفلات الجموح الإيراني، وعودة الاستقطاب الدولي والإقليمي، وتفاقم الأزمة السنية مع عدم وجود «أفق سياسي» حقيقي، وعدم وجود قيادة سنيّة معتدلة بديلة، وضعف ديناميكة العملية السياسية، وتفشّي المشاعر الطائفية، فمثل هذه التربة هي الأكثر ملاءمة لعناصر التنظيم.
دخول المرأة في الفكر
الذكوري الداعشي كان مفاجئاً
ويرى استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين المحادين ان الغموض المعرفي الذي صاحب ممارسات داعش الارهابية ابقى المحللين والمتابعين في حالة من اللاتوازن اضافة الى عدم وجود مصدر علمي موثوق يبين لنا انظمة ومواطنين لماذا داعش وما هي مآلاتها في ظل اشتداد وعودة التنافس بين القطبين الامريكي القائد والروسي المنافس.
ويقر المحادين بان ماذا بعد داعش سؤال مستدام بالغموض المعرفي الذي يتعذر علينا كأكاديميين وباحثين القطع بالاجابة عليه بصورة تحترم الوعي العام.
ويلفت الى عدم توقع المحليين دخول المرأة في الفكر الذكوري عنصرا داعشيا كان مغفلا عن الحكومات والاحزاب والنقابات في معظم المجتمعات العربية والاسلامية وسيبقى هذا الغموض باستمرار مشاركة المرأة.
ويلفت الى ان توظيف المخزون الاسلامي والنفطي في هذا التنافس والصراع اوصلنا الى حد صعوبة الفرز او التمييز بين سماحة الاسلام الطبيعية ووسطيته وبين السلوك الارهابي المنسوب للاسلام والمسلمين من جنسيات عالمية متعددة.
ويشير الى ان من مصاحبات ارهابية داعش كان التحدي الاساس الذي جعل رجال الدين امام سؤال الحياة الذي ركن اليه والى تفسيرات الواقع دون تطوير او تحديث بما يتلاءم مع تغييرات حياة العرب والمسلمين في العالم.
ويقول: «بالتالي ظهر التيار الراديكالي المتمثل بارهابية داعش وتشخيص هذا الظهور المتطرف لضعف الخطاب الديني السني ترابطا مع ضعف ادوار المسجد والكنيسة شكل اساسا وبرر للاخرين التمرد على ضعف هاتين المؤسستين ومن قبلهما المناهج التعليمية التلقينية التي لم تنجح في مجتمعاتنا من اطلاق السؤال التحليلي الناقد لواقعنا كل عناوينه لا بل تجلى ذلك في تحول الجامعات الى جوامع مع احترامنا للجامع».
ويشير محادين الى ان اندلاع الثورة الايرانية وظهور شعار تصدير الثورة مثل ارضية خصبة لظهور التطرف الديني في العالم في ظل عدم مقدرة التيار المقابل في لجم وتحجيم تاثيرهما.
وفي هذا السياق يرى المحادين ان تشخيص جلالة الملك عبدالله الثاني كان الاسبق في تحليل المشهد السياسي والفكري للاقليم والعالم عندما تحدث عن الهلال الشيعي وعندما خاطب العالم قائلا ان الواجب الديني علينا كمسلمين هو الاولى في دحض ارهابية «الدواعش» للدفاع عن انسانية اسلامنا.
ويقول ان جلالته وضع الحلول لمواجهة هذا التنظيم الارهابي من خلال الحل العسكري القائم لان التحدي اصبح عسكريا والبعد الايديولوجي اي مقابلة الفكرة بالفكرة واعادة ترتيب المجتمعات والوجدان الديني لكل الاديان باتجاه قبول الاخر مستشهدا برسالة عمان.
ولم يخف المحادين قلقه وفي ظل استمرار الغموض المعرفي من ظهور ما اسماها «طبعة جديدة» بمسميات اخرى ،لافتا الى انه ليس علينا الاعتقاد ولو ل»لحظة» ان الفكر الداعشي الارهابي يمكن ان يندثر بهزيمتهم عسكريا في الموصل.
ويقول «ما زالت الموصل بمعناها الجيوسياسي وتركيبتها السكانية وقربها من منابع النفط في كركوك وقربها من تركيا تمثل محورا مفتوحا على كل ما هو جديد كما تمثل الرقة استنزافا مستداما في الصراع بين القوى الدولية ومحاولة السعي الدائم للتصعيد العسكري وصولا الى شروط التقسيم او التفاوض اللاحق».
«تغيير في عقيدة المواجهة»
الباحث والمحلل الاستراتيجي والعسكري المهندس صلاح المجالي يرى انه يصعب القول انه بمكن القضاء على داعش عسكريا وان أحلام داعش باقامة دولة الخلافة الاسلامية «أصبحت حلما بعيد المنال».
ويشير الى ان خروج داعش من العراق وايضا من سوريا وهذا ما سيحدث لاحقا لن يكون نهاية المعركة مع داعش، لافتا الى انه لا يمكن باي شكل السيطره على داعش عسكريا واعلان استسلامها.
ويقول المجالي «داعش تمتلك ميليشيات ارهابية وخلايا نائمة في دول الجوار وكذلك في اماكن اخرى عديده من العالم، ربما سيتم القضاء على داعش اعلاميا فقط واعلان هزيمتها لكن الواقع يخالف ذلك.
ويضيف» ان ماتت داعش كتنظيم لن تموت كعقيدة وفكر له اتباعه ،ستظهر وتتحول داعش كالحرباء وتظهر في ثوب جديد واسم جديد في مكان اخر كما حدث مع تنظيم القاعدة.
وحسب الباحث المجالي «ربما حان الوقت لتنتهي «داعش» كاسم بعد ان انهت مهمتها وستظهر قريبا اسماء اخرى لتؤدي مهمات جديدة وتكمل ما بداته داعش».
لكن السؤال الأهم، برأيه، «ماذا بعد داعش سواء في العراق وسوريا وفي عالمنا العربي؟».
ليجيب: «داعش وغيرها ما هي إلا أدوات تظهر وتختفي حسب الحاجة والظروف».
ويرى أن مصير داعش لغاية الان لم يتضح بعد، والأسابيع القليلة ستكون حبلى بالكثير من الأحداث التي ستحدد مصير داعش كاسم فقط وما هي الصورة الجديدة التي ستظهر فيها وأين؟




الرجاء الانتظار ...