الرئيسية
أحداث محلية
أحداث اليوم - بقلم : شحاده أبو بقر
عندما يتقدم بنا العمر نحن معشر الصحفيين أو من نسمي انفسنا كتابا صحفيين , يقتضي الإنصاف منا ربما أن ننزل الناس منازلهم , وبخاصة في الزمن الملتبس الذي يسوده الظلم كثيرا , ولا يجد الكثيرون حرجا في إطلاق الأحكام ذما أو مدحا وفق مقتضى الظرف وما تتطلبه مصالحهم الخاصه .
ليس من عادتي الكتابة عن أشخاص بعينهم , وحرصت على مدى ستة وثلاثين عاما عملت فيها وما زلت صحفيا متنقلا بين وكالة الانباء الاردنية وصحيفة الشرق الاوسط اللندنية وأخواتها السعوديات الصادرات في لندن والرأي الاردنية عن بعد والشعب الاردنية عن بعد وقرب , ثم مستشارا متنقلا بين رئاسة الوزراء ورئاسة مجلس الاعيان ورئاسة مجلس النواب , على أن اتجنب ما إستطعت الكتابة عن الاشخاص مهما كان رأيي بهم , بإستثناء الملك .
أخيرا تجرأت وكتبت عن رجل دولة متميز يستحق أن ينصف هو دولة الأستاذ عبدالكريم الكباريتي سلمه الله , وبررت ذلك بأنني لم أعمل مع دولته عن قرب , وقلت بأنني لن أكتب عن كثيرين سواه , فقط لأنني عملت معهم مباشرة , فقد تكون شهادتي فيهم إما مجروحة إن كانت مادحة , أو هي ظالمة إن كانت غير ذلك وقد تثير لي بعضا من متاعب أنا في غنى عنها !
أخيرا غيرت رأيي , وقررت أن أكتب ما يمليه ضميري وأسأل الله ان لا أجانب الصواب ابدا , فلعل في ما سأكتب جلاء لحقائق شوهت ظلما , أو فيه فائدة تسلي أو حتى تنفع , بغض النظر رضي من رضي وغضب من غضب .
ساكتب اليوم عن عبدالهادي المجالي , وسأكتب عن آخرين لاحقا , وبالذات كبار المسؤولين الذين عملت معهم في الحكومة والبرلمان بالذات , ولن أستخدم الألقاب التي أمقتها وأرى انها صارت في عالم اليوم من الماضي .
عرفت أبا سهل عن قرب في العام 1996 إبان كان نائبا وكنت مستشارا لطيب الذكر سعد السرور رئيس مجلس النواب آنذاك وكان الإثنان يتنافسان في إنتخابات رئاسة وشيكة , وفجأة , وبينما كنت وزميل إعلامي نقف في ساحة مدخل المجلس , إقترب عبدالهادي منا وطلب أن يحدثني على إنفراد في مبادرة إستغربها الزميل الاعلامي , قال ابو سهل , اريدك ان تتحدث مع صديقك ابي هايل وتبلغه انني اريد الرئاسة هذه المرة وسنكون انا وكتلتي معه المرة القادمة وبكل قوتنا وكما تعرف كتلتنا هي الكتلة الاكبر , لم أناقشه في الامر برغم انني اعرف ان ابا هايل مصمم على الترشح مجددا وقطع شوطا طويلا في محاورته للنواب حول الامر .
صعدت إلى مكتب ابي هايل ولحسن الحظ وجدته وحيدا وفاتحته بالأمر فورا , لكنه وبناء على الوعود النيابية التي لا ' تزبط ' كثيرا كان واثقا من الفوز ولم يقبل بعرض المجالي من حيث المبدأ . المهم , جرت الانتخابات وفاز ابوسهل .
أعترف بأنني لم اكن أفضل العمل مستشارا له , فالرجل في نظري من خلفية عسكرية صارمة وثري وله كاريزما تخيلت أنها آمرة وجادة اكثر مما يجب وقد لا اكون مرتاحا معه , وبدأت أفكر بطريقة مؤدبة أعتذر فيها عن العمل معه , إلى أن جاءت بالصدفة , ففي اليوم التالي لفوزه كانت تجري إنتخابات المكتب الدائم واللجان وكان الجميع نوابا واعيانا وحكومة موجودين في المجلس , وبدون سابق إنذار ولسوء فهم لا ذنب لي فيه وبوشاية من نائب أحترمه الآن كثيرا وصار صديقا لأنه هو الآخر غرر به , حدث صدام كلامي بصوت عال بيني وبين وزير محترم مغرر به هو الآخر وأمام مرآى ومسمع الجميع , فوجدتها فرصة لجمع اوراقي الخاصة وإبلاغ مكتب الرئيس الجديد بأن عملي مع المجلس قد إنتهى وغادرت إلى بيتي فورا وليس في ذهني والله العودة الى المجلس .
في المساء , هاتفني الرئيس السابق السرور الذي كان قريبا وقت المشاجرة الكلامية مستفسرا عن اسبابها ومؤكدا مشكورا دعمه لي , وبعده مباشرة هاتفني الرئيس الجديد المجالي مستفسرا أيضا عما جرى فأبلغته اننب سأطلب غدا إحالتي إلى التقاعد من وزارة الإعلام , إلا أنه وبأسلوب محبب طلب ان ازوره صباحا قبل طلب التقاعد .
ذهبت صباحا إلى مكتب المجالي وليس في ذهني والله سوى الإعتذار منه والإصرار على الإستقالة , ولا أدري , فخلال دقائق معدودة وجدت نفسي أمام رجل كبير وكبير جدا في كلماته وموقفه وتواضعه ونظافة فكره , يقول لي لقد هاتفت الوزير وابلغته بأنك مستشاري ولا شأن له بعملك , لقد سمعت عنك كلاما يجعلني أتمسك بك وارفض إستقالتك وأريك أن تتعاون معي وصدقني سترتاح معي كثيرا , وجربني ! .
من هنا بدأت رحلتي مع عبدالهادي المجالي , ولست أنا الذي أقول لا والله هو من قالها ,' أنا وأنت نفكر بعقل واحد ' ,هذا بلدنا وخدمته شرف , ونظامنا الهاشمي خدمته شرف , ويجب أن نظل كبارا في فكرنا وتفكيرنا نترفع عن الصغائر والصغار أيا كانوا , وهذا برلماننا الذي يجب أن يبقى عريقا كما كان دوما , ونحن مواطنون مخلصون بقدر إخلاصنا للوطن والعرش الهاشمي ودرته الملك , وبقدر دعمنا لجيشنا ومؤسساتنا الامنية والعامة , ومساندتنا للشعب الفلسطيني الشقيق وقضايا أمتنا , هذا هو الاردن منذ وجد ويجب أن يبقى وهذا هو سر قوته .
أسهب المجالي في شرح فكره ومبادئه , وكأنه يقول لي هكذا هو أنا , فقلت وأنا مثلك تماما , لكنني أسمع انك قطري منغلق أو هكذا عنك يقولون , ضحك وقال , لا والله , ستعمل معي وستعرفني أكثر , اما من يقولون ذلك عني فهم ظلمة أمرهم إلى الله .
وإستمرت رحلتي مع هذا الرجل الكبير مستشارا له لعشر سنوت و خبرته جيدا جدا داخل الاردن وخارجه , هو هو لا يتغير , فقد بنى للبرلمان الاردني قبل نفسه مكانة متقدمة جدا عربيا وإقليميا ودوليا , فلا يلتقي ' مفاتيح ' البرلمان الدولي قبيل إفتتاح أي مؤتمر بدونه دونا عن سائر العرب , يشاورونه في شكل القرارات ونصوصها التي ستتخذها وفود تمثل 186 دولة , وكذلك يفعل العرب والمسلمون في مؤتمراتهم المماثله , فلا يتفقون على مسودة القرار قبل ان يباركها المجالي , وليس سرا أن الأوروبيين جميعا جاملوه في المؤتمر البرلماني الدولي بعمان وصوتوا جميعا إى جانب قرار لطالما عارضوه طويلا , وهو حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض , برغم إعتراض وغضب وإستهجان الوفد الإسرائيلي , وليس سرا ان الأوروبيين هم من إختاروه رئيسا للأورومتوسطي وأبدع فيه .
وأذكر وعلى سبيل المثال لا الحصر من بين امثلة يصعب حصرها , اننا كنا في مملكة البحرين الشقيقة في طريقنا إلى الفلبين لحضور مؤتمر دولي هناك , كان ابو سهل قلقا بشأن توجه سيتخذه الاتحاد البرلماني العربي القادم , وتحدث عن ذلك كثيرا ربما , فما كان من نظيره البحريني أن قال لا تقلق ابا سهل , آخرتها عندك ولن يفعل العرب شيئا دون رضاك !
وأذكر مما أذكر وهو كثير , أن رؤساء برلمانات بريطانيا فرنسا ايطاليا واسبانيا واليابان والصين كانوا يحرصون هم ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي على دعوة ابي سهل عشية إنعقاد كل مؤتمر برلماني دولي للتشاور حول البيان الختامي , فيتدخل ابو سهل يحذف ويضيف بما ينسجم مع المواقف الاردنية ويخدم ألقضايا العربية .
كان ابو سهل وما زال ويبقى بإذن الله علما أردنيا عربيا يرفع الرأس , مدافعا شرسا عن قضية فلسطين وقضايا الامة كلها , ولا أنسى زيارته المقصودة لذاتها إلى فلسطين على رأس وفد مثل الاردن كله , وما تخللها من مواجهة مع جنود الاحتلال مباشرة عند بوابة الحرم الأبراهيمي , عندما رفض ابو سهل التعامل مع المحتلين نهائيا .
مرتب هو في أفكاره مقنع في كلامه , ولديه فكر إبداعي نادر في السياسة والاقتصاد والاجتماع , يجيد فن الحديث مع العالم الآخر ولذلك أحبوه وقدروه وإحترموه , ومن ذلك مثلا , أن ابا سهل هو المتحدث الدائم بإسم الوفود العربية شاكرا للدولة المستضيفة , وملخصا ما تم التوصل إليه وما يجب ان يكون في كل مؤتمر برلماني عربي .
طيب هو ابو سهل في كل شيء ,في قلة كلامه , يتكلم حيث يجب ولا يقول إلا طيبا , يقابل الإساءة بالإحسان ولا يعرف للإنتقام طريقا ,قد يعتب , لكنه لا يغضب , وإن غضب فالحلم شيمته , والصفح أجمل سجاياه , ديمقراطي إلى أبعد حد ويثق بالناس كثيرا , ظلم كثيرا ' بضم الظاد ' ولا يظلم أحدا قط , سعى الكثيرون لإبعاده ولم يقترف هو شيئا من ذلك ابدا , عرك العسكرة والأمن والسياسة والعمل الحر , وابدع وأجاد فيها كلها بلا منازع , حاربه صغار كثيرون ولم ينزل عن كبريائه قط , قالوا عنه الكثير وحاولوا عبثا تشويهه لكنهم فشلوا , شككوا حتى في إخلاصه , وهنا أنا مضطر لأن أقسم بأنني لو شككت يوما ولو لثانية في عمق إخلاصه للوطن وللعرش الهاشمي ما رافقته للحظه , ومشكلته أنه يترفع حتى في الدفاع عن نفسه , تاركا للأيام حكمها , يدعم كل مبدع مخلص منتم للوطن والعرش , يقول رأيه بصوت عال ولا يلتفت حوله , والسبب أنه واثق تماما من سلامة نيته وصفاء سريرته , ويتجاهل أن الظلمة كثيرون في هذا الزمان ! .
ملحوظة : كنا معه في الجزائر , وكان من المفروض نقل رئاسة الإتحاد البرلماني العربي حسب الابجدية إلى العراق , إلا أن معظم العرب وعطفا على إحتلال الكويت كانوا يرفضون ذلك , إتصل رئيس برلمان دولة عربية كبرى بابي سهل يخبره بذلك ويقترح عليه الترشح للمنصب , وهناك إتصل ابو سهل برئيس البرلمان العراقي في مقر إقامته بالفندق ' سعدون حمادي ' وطلب اللقاء , ذهب ابو سهل للقائه وأخذني معه , وبعد كلام المجاملة قال المجالي , لا بد انك عرفت ان العرب لا يريدون ان يرأس العراق الإتحاد البرلماني , ومع ذلك فاذا ما رشحت نفسك فانا معك وسأنتخبك , ولكن إذا لم تنجح فانا ربما أطرح نفسي مرشحا , فما رأيك ! , لم يجب حمادي بوصوح وتحدث في امور أخرى , أعاد ابو سهل طرح السؤال بأدب جم كي يتأكد , ولم يحظ بجواب واضح ايضا , هنا وانا مستشار ولست نائبا ولا حديث لي , لم أتمالك نفسي فخاطبت حمادي مباشرة بالقول , ابو سهل يقول لك نحن الاردنيين مع العراق وسننتخبك إن ترشحت , ولكن إن لم تنجح وهذا وارد , هل ستنتخب أبا سهل إن هو رشح نفسه , قال , دعونا نرى , أي ' لا ' صريحة, غادرناه ونصحت ابا سهل أن يتبنى إعطاء الرئاسة للجزائر وهذا ما حدث .
وبعد : عبدالهادي المجالي قامة وطنية قومية إنسانية شامخة ما قصرت ولن تقصر أبدا في النهوض المشرف بواجبها نحو الوطن , وينطبق عليه بوضوح المثل القائل اللي ما يعرف الصقر يشويه , ومن يعتقد أن لي عند ابي سهل غاية أنافق له من أجلها فبيني وبينه الله , فأنا أزوره في العيد معايدا لرجل كبير محترم إحترمني كثيرا وكثيرا جدا خلال فترة عملي معه في مجلس النواب , واسمح لنفسي بأن أفخر بأنه قال عني ذات يوم لنائب حالي محترم وليس لي ' كل ذرة فيه لها ثمن ' , وهي شهادة أفخر بها من رجل يفتخر به حقا لا تزلفا أو رياء .
عبدالهادي المجالي , ابا سهل , الكبير يبقى كبيرا مهما طالت الايام , ومهما ظلم وتكاثر الظالمون .
وساواصل الكتابة عن شرفاء كثيرين عرفتهم بحكم العمل عن قرب , والحلقة القادمة فارسها إن جاز القول وأذن الله , طاهر المصري . والله من وراء القصد .



