الرئيسية أحداث فنية

شارك من خلال الواتس اب
    قفزة نوعية في صناعة دراما 2015

    أحداث اليوم -

    كان شهراً أشبه بالمهرجان، أتاح للكتّاب والمخرجين والممثلين وسائر المبدعين من موسيقيين ومغنين ومسؤولي إضاءة وديكور وصوت وتصوير وأزياء وماكياج، وغيرها الكثير من المهام التي تدور خلف آلات التصوير، أن يثبتوا كفاءاتهم، ويقدّموا ما لديهم من إبداع وأفكار وإتقان، وإن تفاوتت المستويات بين عمل وآخر.
    كأنّه الشهر اليتيم في السنة الذي يقدّم الفرص لتحقيق ما باتت تمتلكه الدراما العربيّة من معرفة، وأفكار، وآراء، وتمرّس في الأداء.
    هو قرار المنتجين وحدهم؟ عرب من كلّ الأقطار، يبهرون المشاهدين بأكثر من سبعين عملاً، تقدّم كلّها خلال ثلاثين يوماً فقط، وبعدها، عود إلى التركي، والهندي، والكوري، والمكسيكي...
    إلّا أنّ ما قدّم خلال رمضان العام 2015 لا يشبه ما قدّم قبله، وعلى أكثر من مستوى.
    كانت حال النهوض والنضوج في صناعة الدراما العربيّة قد تلقّت ضربة كبرى مع انفجار الحرب في سوريا. كانت الدراما السورّية، قبل الحرب، قد تحوّلت إلى ما يشبه رافعة للدراما العربيّة، ليس فقط من خلال ما تقدّمه، بلّ أيضاً من خلال رفعها لمستوى ما يقدّم في الدول الأخرى، إذ كانت تدفع صناعة الدراما العربيّة للنهوض إلى مستوى المنافسة.
    خلال العام الحالي، بدا وكأنَّ الدراما السورّية قد تمكنّت من استجماع قواها، واستعادة جمع الشتات، وسعت للعودة بقوة وتقديم الأعمال التي تتقن تقديمها.
    لم يعد الممثّل السوري مجرّد ممثّل وحيد يظهر تارة في مسلسل مصري، وفي آخر لبناني، وطوراً في مسلسل خليجي.
    خلال العام الحالي، قُدّمت مسلسلات «عربية»، تجمع السوري واللبناني والمصري والتونسي... كأنّ صناعة الدراما تمكّنت من تحويل «الضارّة» إلى نافعة، وحّدت نجوم الدراما العربيّة، الذين نجحوا في تقديم ما يرضي «جميع الأذواق»، من دون ابتذال، أي ليس من باب «الجمهور عايز كده».
    خلال رمضان، كان بإمكان المشاهد الاختيار بين أعمال ترفيهيّة بحتة، وبين أعمال كوميديّة، وأخرى يمكن القول إنها تقدّم أفكاراً سياسية جادّة، وأخرى تتناول قضايا اجتماعية فعليّة، ولو موجعة.
    وكان لافتاً توجّه معظم الأعمال إلى تقديم «بطولات جماعيّة»، بعيداً عن زمن الاعتماد على اسم نجم «يشيل» العمل. ففي كلّ عمل، كان مؤدّو الأدوار الثانوية يحصلون على مساحات تتيح لهم إظهار مدى إتقانهم لعملهم. فسوسن بدر في «طريقي» كانت نجمة، تماماً كما محمد ممدوح في المسلسل ذاته، وكلّ من سارة أبي كنعان وقيس الشيخ نجيب في «بنت الشهبندر» على الرغم من عدد مشاهده القليلة. وعبد الهادي صبّاغ وضحى الدبس في «غداً نلتقي». وغيرهم كثيرون.
    وإلى جانب المسلسلات المصرية والخليجيّة، شكّلت المسلسلات السورّية واللبنانيّة، فرصةً لإحياء لبنان بمناطقه وقطاعاته كافّة. بيروت، وجبيل، وزحلة، والشمال...
    أعمال أظهرت جمال منازل بيروت الأثريّة، ومعالم جبيل التاريخيّة، وأحيت مناطق منسيّة كالبقاع، حيث صوّر جزء من مسلسل «تشيللو» بين شتورة وزحلة. وعلى الرغم من مساحة البلاد الضيّقة التي أدّت، من دون عمد، إلى بعض الارتباكات في الإنتاج، إلّا أنّ فترات التصوير ساهمت في إحياء عدد كبير من المناطق اقتصاديّاً، في مرحلة تفتقر خلالها البلاد إلى مقومات العيش اللائق.
    ومن باب الضارّة النافعة، أظهر عدد من المسلسلات، ومن دون تعمّد، مدى التشابه في الطبيعة بين بعض المناطق اللبنانيّة ونظيراتها السوريّة، مما جعل تصوير مسلسلات في لبنان على أنّ أحداثها تدور في سورّيا، ممكناً بكل المعايير، وبالرغم من سايكس وبيكو الأصليين والجددّ.
    منذ بداية الشهر، بدأت الأقلام تكتب وتقيّم، على الرغم من أنّه كان من المبكر جداً بعد تكوين أيّ رأي حول ما يقدّم. كان في الكثير مما كُتب، وبعضه للأسف نُشر في هذه الصفحة، ما حمل بعض التحامل والأفكار المسبقة، أو التسرّع، والقراءة المتسرّعة في أعمال عمل صنّاعها جاهدين لإخراجها بإتقان. في بعض المرّات كان التسرّع بنيّة حسنة، وفي مرّات أخرى كانت الحماسة تأخذ الكتّاب إلى الخروج باستنتاجات بعيدة عن الدّقة. وفي معظم المرّات، كان الشرخ السياسي الذي بات يمعن في تقطيع أوصال كلّ منّا، ويزيد من غربة كلّ منّا عن نفسه، هو المتسببّ في إطلاق الأحكام وصولا إلى التجنّي.
    ليس كل ما أُنتج خلال العام الحالي بعمل راقٍ، وليس كلّ ما قُدّم هادفاً، أو متقناً، إلّا أنّ غالبية الأعمال كانت تجهد لتقديم الأفضل للمشاهد. في رمضان، كان هناك صنّاع دراما، كلّ في مجاله، يثبتون، من خلال ما يقدمونه، أنَّهم يحترمون المشاهد، وعقله.
    كل ذلك في زمن استثنائي، أكثر ما يحتاجه المشاهد العربي، أو المواطن العربي، مبدعاً كان أم متلقياً، إلى من يحترم رأيه، وعمله، وعقله. زمن يحتاج المواطن العربي إلى الشعور بأنّه قادر على التأثير، ويستحّق التقدير، والرُقي.
    إلّا أن حاجة المشاهد العربي، والمبدع العربي، هي إلى فرص إنتاج تمتّد خلال أشهر السنة كلّها، لأن ما يجب أن يُقال، وما يستحق أن يُقال، وما يمكن تقديمه، ويجب تقديمه، لا تكفيه أيام السنة الـ 365.
    وبعيداً عن الدول المنتجة، والتي باتت تمتلك معظم قنوات الشاشات العربية، والتي بدأت قبل «العيد» بالإعلان عن استئنافها لتقديم الرديء من الأعمال التركيّة، ظهرت خلال الشهر، إمكانات إنتاجيّة أخرى، شابّة، وقادرة، يبقى الرهان عليها لتأمين للدراما العربيّة ما يليق بها من فرص.
    في ما يلي سعي لتقييم بعض أوجه التميّز في عدد من الأعمال التي قدّمت خلال الأيام الثلاثين المنصرمة. ليس فيه ادِّعاء النقد الفني الاحترافي، إنمّا محاولة لإلقاء الضوء على الإيجابيات الكثيرة التّي قدّمتها الأعمال المختارة، بعيداً عن البحث عن أوجه الخللّ والضعف التي لا يخلو منها أيّ عمل في المجالات كافّة.
    «حارة اليهود»


    إياد نصّار ومنّة شلبي

    ^ إخراج: محمد جمال العدل ^ تأليف: مدحت العدل
    منذ عرض الحلقة الأولى والثانية والثالثة للعمل، بدأت الأقلام تكتب وتقيّم. من بينها من كتب أطروحات، عن «المغالطات التاريخيّة بالجملة»، وأخرى عن ترحيب إسرائيل بالعمل (وهو خطأ توّد هذه الصفحة الاعتذار عن وقوعها فيه أيضاً) والبعض ذهب إلى اعتبار أن العمل أُنتج أصلا لأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نشأ في حارة اليهود.
    هناك من حذّر خلال الحلقات الأولى من أن يذهب العمل إلى حدّ تخوين الفلسطينيين على حساب تلميع صورة الضباط المصريين، من باب أنّ مصر «هلكت وهي تدافع عن العرب».
    إلا أنّ أياً من تلك التنبؤات لم يصدق مع توالي حلقات المسلسل.
    مرّت حلقات المسلسل على الأحداث التاريخية مرور الضرورة، فقد اختار الكاتب والمخرج أن تدور أحداثه مع بداية النكبة، وصولاً إلى تولي جمال عبد الناصر الحكم في مصر. وليس ما حدث في تلك الفترة ما هو مخبأ، أو غامض أو مجهول. ولم يخوّن المسلسل الفلسطينيين، ولا حتى يهود مصر.
    إذا نُظر إلى المسلسل بحسن نيّة، تظهر الرسالة التي أرادها أن تصل إلى المشاهد، وهي رسالة تتمحور حول ضرورة التسامح، والوحدة، في زمن التخوين، والتشتت، والضياع، والتعصّب.
    تدور أحداث المسلسل في حارة مصرية تجمع يهودا ومسيحيين ومسلمين، في حقبة فريدة من تاريخ الأمّة. في بداية المسلسل كان الجيران كلّهم مصريين، كلٌّ يتقبّل اختلاف الآخر، يعيشون معاً كما في أي حارة أخرى. أبناء الحارة من الطبقة المتوسطة الدنيا، فالحارة ليست شعبيّة تماماً، وليست حارة طبقة وسطى.
    ليس في المسلسل ابتذال، أو مبالغة في «إحنا كلنا واحد». في أبناء الحارة خيرون وأشرار، ماكرون وخبثاء وعقلاء وبلطجية، راقصات وعالمات وتجّار وأسر تعلّم أبناءها ليرتقوا بأوضاعهم الاجتماعية. منهم من انضم للإخوان، ومنهم من ساهم في محاربة الإنكليز، ومنهم من حارب في فلسطين، ومنهم من تعامل مع المحتل البريطاني...
    وهؤلاء، كانوا من الطوائف كافّة.
    في المقلب الآخر، كان من بين برجوازيي مصر وإقطاعييها من اليهود من يعمل على هجرة اليهود إلى فلسطين، وتهريب أموالهم وشبابهم. وفي المقابل، كان «الشهبندر» اليهودي، والذي يلجأ إليه الجميع للوقوف على رأيه، يحذّر ممن يجنّد لمصلحة إسرائيل، وينسى أنه مصري. كان يدعو الجميع إلى التمسّك بوطنيتهم، ووطنهم، ويحذّر أغنياء اليهود من أنّ ما يفعلونه سيرتّد بالسوء على «غالبية يهود مصر، وهم بعظمهم غلابة»، وبأنَّهم لن يتركوا لهم أي خيارات سوى أن يتّم تخوينهم وحملهم على الهجرة من بلادهم.
    مع توالي أحداث المسلسل، تبقى النكبّة هي المصيبة التي جرَّت أهوالاً. فالاختلاف في وجهات النظر لم يكن طائفياً. كان الاختلاف وطنياً، أو اجتماعياً، أو اقتصادياً. وكان عقلاء الحارة متمسكّين كلّ منهم بالآخر، على الرغم من مساعي التخوين على أساس طائفي. ومع قيام دولة إسرائيل، بات الدفاع عن اليهود يزداد صعوبة، ومع مشاركة الشبّان اليهود في التفجيرات التي وقعت في مصر، أضحى الدفاع عنهم شبه مستحيل.
    إلّا أن الدفاع عن شباب «الإخوان» كان بالصعوبة ذاتها، بلّ إنّ إدانتهم كانت واضحة، وهو ما يمكن تفسيره بأنّه يصبّ في الحملة القائمة حاليّاً ضدّ «الإخوان» في مصر، إلّا أنّه في ذلك الزمان كان واقعاً فعلياً.
    في نهاية المطاف، يخلص المسلسل إلى أنّ بين الجميع من أصاب وخاب في آن. بين الراقصة والبلطجي التائبين، والوالد والوالدة المسلمين اللذين أنجبا ضابطاً بطلا قاتل ببسالة في فلسطين وضدَّ الاحتلال البريطاني في مصر، وأنجبا أيضاً فتاة عصت أمرهما وهربت مع شاب من «الإخوان» بعد إطلاق النار على عبد الناصر في المنشيّة في الإسكندريّة، وصولاً إلى الأسرة اليهوديّة التي أنجبت ابناً خان مصر واستغلّ تعلّق أمه به لينتزعها من بيئتها ويسحبها إلى فلسطين المحتّلة، ووالد لم يحتمل أنّه لم يعد له مكان في بلاده وحارته وبين أهله، وما أطاق مغادرتها فنام الليل ولم يستفق.
    في «حارة اليهود»، كما في سائر حواري العرب، هناك من يصيب وهناك من يخيب، ومن منّا بلا خطيئة، يمكن له أن يرجم الآخرين بالحجارة.
    «حارة اليهود» مسلسل يروي قصّة حبّ مستحيلة، على الرغم من تحكيم العقل، والتسامح، والمحبّة. هناك نكبة غيَّرت الواقع إلى الأبد.
    «بنت الشهبندر»


    سلافة معمار

    ^ إخراج: سيف الدين سبيعي ^ كتابة: هوزان عكّو
    «بنت الشهبندر» هو مسلسل آخر يروي سيرة «حارة» مع بداية انهيار الاحتلال العثماني. إلا أن تلك الحارة «الشاميّة» كانت في بيروت. حارة يقطنها شاميون وبيارتة، وتحكمها المبادئ ذاتها التي باتت معروفة من خلال مسلسلات البيئة الشاميّة الأخرى.
    ما يحمله المسلسل من تميّز هو التذكير بأنه قبل الانتداب، كانت بلاد الشام، في سوريا ولبنان وفلسطين، بلاداً واحدة، أهلها يعيشون معاً، مدنها لهم كلّهم.
    وحين مات زعيم المسلسل «الشامي»، برزت أصوات في الحارة تريد «استرداد الزعامة لأبناء بيروت»، واجهها قول واحد «منذ متى هناك هم ونحن، سوري ولبناني، مسلم ومسيحي، بيروتي وشامي وحيفاوي، الزعامة لمن يستحقّها وفقط».
    إنّ في التذكير الدائم بأن الناس يمكن أن يكونوا موحّدين، يقبل كلٌ منهم الآخر، ويعيشون معاً، برغم الاختلافات والخلافات، وهو ما يفترض أن يكون من البديهيات، هو من أكثر ما يحتاج كلّ عربي اليوم أن يتذكّره و.. يعيشه.
    في «بنت الشهبندر»، تجمع منى واصف من حولها قصيّ الخولي وقيس الشيخ علي وسلافة معمار، بالإضافة إلى كلّ من أحمد الزين وفادي إبراهيم وطوني عيسى وغيرهم كثيرين من ممثلين سوريين ولبنانيين، سمحوا لنا على امتداد شهر باستعادة جمال مدينة جبيل.
    لم يكن في جمع ممثلين سوريين وآخرين لبنانيين أي افتعال، وجاء عمل الممثلين مع بعضهم البعض متناغماً ومتناسقاً، يدلّ على ضرورة الإكثار من الإفادة من الخبرات كلّها، وكسر الحواجز التي لا مبرر لوجودها أصلاً. ففي النهاية، لن يصبَّ ذلك سوى في مصلحة المشاهد أولّا، والمنتج ثانياً، والممثلين حُكماً.
    «طريقي»


    شيرين وباسل خيّاط

    ^ إخراج: محمد شاكر خضير ^ كتابة: تامر حبيب
    إذا كان العمل الدرامي هو عبارة عن أحداث تحمل المشاهد على الانتقال من حالة إلى أخرى بيسر، وعلى الانفعال تبعاً لوقع ما يجري، وانتظار ما سيحدث يومياً في الحلقة المقبلة، والابتسام والبكاء في الحلقة الواحدة، فإنّ مسلسل «طريقي» هو عمل درامي بامتياز. هو عمل محبوك لإمتاع المشاهد، ومرافقته في رحلة عمر مغنيّة تناضل لكي تصل إلى مرادها، وهي رحلة تحمل الفرح، والدموع، والألم والظلم، والاقتناع الدائم بأن الغدّ سيكون حُكماً أفضل.
    فرح يُلقى في وجه المشاهد على الرّغم من كمّ العذاب الذي تعاني منه بطلة العمل دليلة (شيرين). ألم كثير يستمر النضال لتبديده ولانتصار الحياة على الأفكار الباليّة تارة، والتسلّط والشرّ طوراً، والعوز، والمرض في بعض الأحيان.
    استعادة لسنوات كانت تسهل خلالها الحياة. الشمس، والبحر، والغناء، وحتّى التزمّت والطبقيّة، ومساعي التحرّر الاجتماعي والاقتصادي. فساتين تلك الفترة، وأغانيها، وانفتاحها، وبناتها وشبّانها. عودةٌ إلى الستينيات الجميلة، بفرح.
    في المسلسل، يثبت باسل خيّاط، كما في كلّ مرّة، قدرته الدائمة على التفوّق على نفسه. فهو ذاته الذّي يظهر في هيئة الشاب الهارب والمتفلّت من «خنقة» الأسرة في «العرّاب ـ نادي الشرق»، يؤدّي في «طريقي» دور المحامي المتسلّط الذي يجد دوماً السبل الملتوية للحصول على مبتغاه، ولا يردعه عمّا يريد غشٌّ أو قتل أو كذب، يهرم مع المشاهدين على امتداد حلقات المسلسل، حتى يُصبح محني الظهر، بنظرة التحدي ذاتها التي اختارها للتوكيد على الشرّ الكامن في الشخصيّة التي يؤديها. هو مقنع في كل حركة من ملامح وجهه، ونبرة كلامه، ونظرة عينيه، وتمكنّه من تطويع حركات جسده ليتحوّل من رجل في منتصف العمر في بداية المسلسل إلى كهل في نهايته، وهو المولود فعلياً في العام 1977.
    بدورها، تمكّنت شيرين من إضفاء الكثير من روحها الحلوة على المسلسل، وكانت مقنعة وهي تتخطّى الصعاب بابتسامة وصلابة، ربّما لأنها ذاقت ذلك واقعاً في حياتها الحقيقية. وكان أداء الممثل أحمد فهمي مقنعاً ومؤثّراً، وحنوناً.
    وفي المسلسل أيضاً، أداء راق ليس بغريب على الفنانة القديرة سوسن بدر، ومساحات تسمح لجميع المشاركين في العمل من الحصول كل على ما يمكّنه من إقناع المشاهد بموهبته وتمكّنه من الأداء والإقناع والإمتاع.
    رسالة أمل، مع ديكورات جميلة، وشخصيات وأحداث تحمل المشاهد إلى الابتسام والفرح على الرغم من ثقل الأحداث. وأغنيات جميلة لشيرين، جعلت من مشاهدة المسلسل متعة حقيقيّة، وفقط.
    تقلا شمعون: مجرّد تحيّة


    تقلا شمعون

    لا يدّعي مسلسل «24 قيراط» (إخراج: الليث حجو/ كتابة: ريم حنا) أنّه غير ما هو عليه. مسلسل ترفيهي، فيه حبكة بوليسيّة ما، لمحبي الصنف، تتوالى تفاصيلها، لتظهر الصورة الكاملة في النهاية.
    إلا أنه لا يمكن للكلام عن رمضان 2015 من دون الإشارة إلى الأداء المتميّز، كما دوماً، لفنانّة لبنانيّة تأخّر إبراز موهبتها وقيمتها، اسمها تقلا شمعون.
    كان أداء تقلا شمعون في المسلسل مدهشاً، إذ أدّت دوراً لا يشبه أياً من أدوارها السابقة، بإقناع وإتقان مذهلين.
    والحقّ يُقال، أنّ تقلا شمعون تمكّنت في الأدوار التي أدّتها كلّها من تقمّص الشخصية، وإظهارها على أكمل وجه، تاركةً تقلا شمعون تتلاشى لتبرز الشخصيّة الدراميّة وحدها.
    ربّما آنّ الأوان لإنصاف تقلا شمعون والاعتراف بها واحدة من بين أفضل الممثلات العربيات وأكثرهنّ إتقاناً.
    «تشيللو»


    تيم حسن ويوسف الخال ونادين نجيم خلال تصوير "تشيللو"

    ^ إخراج: سامر البرقاوي ^ اقتباس: نجيب نصير
    تيم حسن يعود، وكالعادّة يعود بقوّة. لا يمر مرور الكرام. يمكن لمشاركته في أيّ عمل أن تُخرجه من أي رتابة، أو ثغرات. تكفي متابعة أدائه، وإتقانه التفاصيل.
    ليس في ما سلف أي تقليل من شأن العمل المقدّم، أو أداء شريكيّ حسن فيه، نادين نسيب نجيم ويوسف الخال وهما من أفضل الممثلين اللبنانيين الحاليين.
    لكن المزج يُعطي أي عمل كان، غنىً إضافياً ونكهةً مختلفة، ويدفع المزج كلّ طرف لتقديم أفضل ما لديه.
    لم يدَّعِ مسلسل «تشيللو» ما هو ليس عليه، منذ البداية أُعلن أنه اقتباس عن فيلم «عرض غير لائق» الهوليوودي. إلا أن المسلسل نجح في «تعريب» الأحداث ما أمكن، وجعلها أكثر التصاقاً بالمجتمع العربي.
    سعى كلّ العاملين في المسلسل إلى تقديم أفضل ما لديهم. نادين نجيم تشقّ طريقها نحو نجوميّة تستحقّها ويوسف الخال يثبت أنّه رجل يحترم مهنته ومشاهده.
    أمّا السخاء في الديكورات والملابس والسيارات والشقق والبيوت، فكان من ضرورات العمل، لإبراز مدى ثراء تيمور تاج الدين، ومدى ما هو قادر على توفيره.
    وقد نجح المسلسل في إعادة بعض الاعتبار للبيوت البيروتيّة التقليديّة، بقناطرها الثلاث، وميّزاتها التي تدفع الفنانين والذواقّة إلى اختيارها منازل لهم.
    ونجح المسلسل في إيفاء الموسيقى حقّها، وكان اختيار آلة التشيللو موفّقاً، بما يحمله من «شجن ووقار ورقي»، بحسب قول آدم (يوسف الخال) في إحدى حلقات المسلسل.
    وعلى الرغم من أن تيمور تاج الدين هو رجل مافيوي، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ إنّه لا يتورّع عن تصفية خصومه معنوياً أو حتى جسدياً، إلا أن أداء تيم حسن نجح في جعل المشاهد ينحاز له، ويتناسى مدى الشرّ الكامن في داخله، ربّما بسبب ما يحمله من حبًّ لياسمين.
    على كلًّ، فإن نجاح أي مخرج أو عمل في جعل المشاهد يتعاطف مع ما يخالف قناعاته يُعدُّ نقطة قوّة وإتقان.
    مسلسل يرمي إلى الترفيه، وقد فعل ذلك. نقل المشاهد إلى عوالم أخرى، مختلفة، من دون مبالغة أو ابتذال. تخبّط الحبّ، قسوة الفقر، وجبروت المال، وما يمكن أن يقدّمه. عاش المشاهد القصة ومعها.
    وعلى الرغم من أنّ معظم «المشاهدات» كن يأملن أن تختلف نهايّة المسلسل عن نهايّة الفيلم، ربّما لرغبة كلّ منهن أن يجدن من يحبهنّ مثلما أحبّ تيمور ياسمين، إلّا أنّه بقي وفياً للنصّ الأصلي، ربّما من باب الانحياز للحبّ الأولّ.
    وكانت الجملة الأخيرة في المسلسل هي الدليل. تلك التّي قالتها العرّافة لتيمور مع بداية مساعيه للحصول على ياسمين: «سيأتي وقت تنحاز إلى الصّح، وليس إلى ما هو حقّك».
    «العرّاب ـ نادي الشرق»


    فريق مسلسل "نادي الشرق"

    ^ إخراج: حاتم علي ^ اقتباس: رافي وهبي
    ظُلم مسلسل «العراب ـ نادي الشرق» كثيراً إذ حُمّل أكثر مما يحتمل، وحوكم بمعايير لم يدَّع الكاتب أو المخرج أنّها تقيّده.
    المسلسل، كما هو معروف، مستوحىً من فيلم «العرّاب» الشهير، والذي لاقت أجزاؤه الثلاثة نجاحات وجوائز غنيّة عن الذكر.
    ومن قبل تقديم العمل، أعلن القيمون عليه أنّهم استوحوا من الفيلم تشابه بعض العناصر الأسريّة الصقليّة مع العناصر الأسريّة العربية لينسجوا قصّة تلائم واقعنا العربي.
    يستند العمل إلى بنيَة الأسرة التي يحكمها رجل متسلّط، نافذ وثري، له مونة في دوائر القرار، يستغلّ أفراد أسرته من جهة، ويفيدهم من جهة أخرى، لتوسيع نفوذه وثرائه وهيمنته. ليس هناك من يجرؤ على الخروج عن طوعه، ويحرص هو على أن يبقى ممسكاً بالتفاصيل والأعناق كلّها.
    رجلٌ مخضرم، أدى دوره جمال سليمان بإتقان، في منعطف تاريخي. رجل مخضرم تعوّد على قيادة الأمور بطريقة لم تتبدّل، لا سيما أنّه وأمثاله حرصوا على ألّا يبدّلها سواهم، إلّا أن الزمن وفعله أثبتا أنّهما أقوى من «القلاع التي نبنيها» والتي «لا نعرف إذا كانت هي التي تخدعنا أو أنّنا نخدع أنفسنا بها، .... ولا ننتبه إلى أننا لم نبن قلاعنا إلّا كي نموت فيها»، وهي جملة أبو عليا الأخيرة.
    إسقاطات على التبدلات التي شهدها الحكم في سوريا؟ محاولة لنقل مشهد صقليّي نيويورك ومطابقته مع النافذين في النظام السوري؟ رواية من زاوية معيّنة لحقبة محدّدة في تاريخ بلادنا؟
    لمَ لا؟ لكل الحقّ في التعبير عن وجهة نظره.
    الدراما فنّ، والفنّ إبداع، ولكل مبدع الحقّ في تقديم رؤيته وأفكاره بحريّة، وجهة نظره، رأيه في الحياة.
    لا يفكّر البشر كلّهم بالطريقة ذاتها. والحقّ في التعبير عن الرأي مطلق ومقدّس.
    لا يدَّعي «العرّاب» أنّه يؤرّخ لفترة لم تنته فصولها بعد من الحكم في سوريا، ولا يدَّعي أنّه يملك الحقيقة المطلقة.
    هو عمل قدّم من خلاله كاتب ومخرج وممثلون وتقنيون كثر ما يملكونه: مهنتهم، رأيهم، موهبتهم.
    ألم يتناول الجزء الثالث من «عرّاب» فرانسيس فورد كوبولا فضيحة الإفلاس المصرفي في الفاتيكان في العامين 1981 و1982 بطريقة دراميّة، لا تدَّعي أنها رواية طبق الأصل للأحداث الفعليّة لتلك الواقعة؟
    لا تجوز محاكمة أي عمل درامي بأكثر مما يحمله.
    هذا مسلسل قدّم باقة من أكبر أسماء الدراما السورّية في عمل فيه الكثير من الإبهار والترفيه، ووجهة نظر، من حق كاتبها أن يقدّمها. وهو أيضاً مسلسل أعاد جمع عدد كبير من الممثلين السوريين الكبار، في بطولة مشتركة، وهو ما كان مفتقداً منذ أعوام، وترك غيابه تأثيرا كبيراً على الساحة الفنيّة.
    «غداً نلتقي»


    كاريس بشار ومكسيم خليل

    ^ إخراج: رامي حنا ^ تأليف: إياد أبو الشامات ورامي حنا
    وجع سورّيا كلّه بين جدران المأوى اللبناني المؤقّت: هنا المرض، والعوز، والغشّ، و «الزنا»، والحـبّ، الوطـني، و «الخاين»، المـعارض وتابع النظام، محبُّ «داعش» بحــكم الخوف والحيرة، والفلسطيني المنكوب للمرّة الألف.
    هنا النساء يقمن بأدوار الرجال للضرورة، والتزّمت الاجتماعي لا يفارق خطواتهن، والفتيات، والشبّان والرجال والكهول، يتكدّسون فوق بعضهم البعض، يسترون ما يستطيعون ستره وهم مرميون في العراء.
    هنا الضياع كلّه. هنا تيه سوريّا كلّه. ما الصح؟ ما الخطأ؟
    هنا سوريا، حيث لا يغيب صوت أم كلثوم، ولا صوت فيروز، ولا كلمات محمود درويش.
    كيف يُعاد تشكّل القيم في أقسى الظروف البشريّة؟ كيف تخرج، بالغصب، من دارك، وتتمكّن، مع ذلك، من ألّا تتوه في السكك الضيّقة، المظلمة، الظالمة، المذّلة.. الوحيدة المتاحة؟
    كيف تنتقل من رجل أسرة متديّن بعقل، إلى راغب، خوفاً، برفع راية «الجهاديين»، والتعارك مع من يسميهم «تكفيريين»؟ كيف تتحوّل من مثقّف، له رأي، ومبادئ، إلى زوج غيور مجنون، يلاحق زوجته التّي سبقته إلى الولايات المتحدة بشكّه وغيرته إلى أن تتركّه وتبلغه، أن أخاه، سنده الوحيد، هو من أبلغ السلطات عنها وعن اجتماعات المعارضة التي كانا يحضرانها مما أدّى إلى هربهما؟
    كيف يتحوّل ذلك المثقف، الشاعر، الطامح إلى تغيير العالم بالقلم والكلمات إلى نازح عاجز، لا يملك ما يمكّنه من غسل كليتيه؟ كيف لا تكون نهايته رصاصة يطلقها مباشرّة في رأسه لينهي عذابه والعذاب الّذي سببّه لمن حضنه؟
    كيف تبيع الطاهرة جسدها، بسبعة وثلاثين ألفاً وخمسمئة ليرة لبنانيّة، هي قيمّة ما تبّقى من المبلغ المطلوب لغسيل كلى لمرّة واحدة؟ كيف تصمد وردة، التي تشبه الشام كثيراً، وتحتمل، وتتبنى من حولها صغاراً وكباراً، ثم تتحوّل إلى لاجئة في فرنسا، تتعلّم كيف تقول بالفرنسيّة إنها تحبّ غزل البنات، والشعر.... ترى متى تعود وردة الشام إلى ديارها؟ وهل ستعود؟ كيف تهرب الزوجة المعنّفة إلى مجنون يمعن في تعنيفها، لمجرّد أن تتمكّن من استغلاله كي يخلّصها من زوجها، وينتهي بها الأمر، وقد أرديت في فراشها، هي وزوجها، بمسدس المجنون السادي؟ كيف يصبح الكلام بين أفراد الأسرة الواحدة، صراخاً، والتعارك والشجار لأتفه الأسباب السبيل الوحيد للتنفيس عن الضيق؟
    كيف تتّسع قدرة الإنسان على التأقلم مع كلّ ذلك الكمّ من الذّل والظلم، والقهر، والغربة، وانعدام الأفق؟
    كيف يستطيع مسلسل واحد أن يجمع كلّ تلك المشاعر، وينقلها، من دون تدخّل، أو تخفيف، أو تجميل، عارية كما هي، يلقيها دفعة واحدة في وجه المشاهد؟
    كيف يستطيع المشاهد تحمّل تلك الجرعة الزائدة من الواقعيّة والألم، من ركام حياة تدور في كل ركن من أركان مدنه وقراه، وهو الذّي يحاول الهرب منها حتّى عندما يراها بأمّ العين؟ ولكن أيضاً، كيف يمكن لصناعة الدراما السورّية أن تغيب عن الهمّ السوري الأكبر، والوجع الأبرز، وجع التهجير والضياع؟
    ومن أقدر من أبناء الدراما السوريّة على تقديم عمل متقن، موجع، واقعي وفجّ، يروي بعضاً من الحال في جزء من زمن التيه؟
    مكسيم خليل، عبد المنعم عمايرة، وكاريس بشّار أبدعوا، كما بقية الممثلين في المسلسل. إبداعاً ليس بغريب عن مدرسة الدراما السوريّة التّي تحرص على أداء جميع المشاركين في العمل، فيأتي العمل جماعياً بالفعل. ومرّة جديدة نجح رامي حنّا، ومعه طبعاً إياد أبو الشامات، إلى الخروج بعمل يمكن اعتباره من أهمّ ما قدّم خلال الشهر الماضي.
    السفير





    [21-07-2015 11:02 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع