الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    دفاعا عن "الوطن البديل"!

    كلما اقتربنا من موضوع مهم مرتبط بملفات الإصلاح السياسي والدخول إلى عصر الحاكمية الرشيدة وتعزيز مفهوم دولة القانون والمواطنة، نجد أنفسنا أمام تيارات ومجموعات تحذّر من أن يكون ذلك توجّها ضد أبناء المحافظات أو المواطنين من أصول شرق أردنية، أو تهديدا لـ"هوية الدولة"، أو مرتبطا بمشروع خارجي، وربما صهيوني، من أجل إقامة "الوطن البديل" في الأردن!
    ذكّرني بهذه "الفزّاعات" تلك الأصوات التي بدأت تحذّر من أنّ خطوات وزير التعليم العالي، برفع معدلات القبول في الجامعات، سوف تكون على حساب أبناء المحافظات، والمدارس الأقل حظّا! وذلك بدلاً من أن يشعر أصحاب تلك الأصوات بالقلق الشديد لما وصلت إليه حالة التعليم العالي والجامعات الحكومية من تدهور، وأحد أبرز أسبابها التغول في الاستثناءات على المعايير الإدارية المهنية الصحيحة في اختيار طلبة الجامعات!
    لم يتساءل هذا التيار من النواب ومن وافقهم، عن المعايير المتخذة في اختيار قوائم الاستثناء، وغياب الحاكمية والشفافية عنها، وتحوّلها إلى علاقة غير صحية بين الدولة والنواب. ولم يفكّروا فيما وصلت إليه الجامعات، ولم يتساءلوا لماذا لا نحلّ المشكلة في "الأقل حظّاً"، ونبحث عن أسس جديدة لإنصاف طلبتها، وتطوير هذه المدارس؟
    تذكرون أن الأصوات المحذّرة من الوطن البديل ارتفعت، أيضاً، عند الحديث عن قانون الانتخاب خلال حكومات سابقة، وتحدثت عن أجندة "صهيونية-أميركية-إخوانية" (لا أبالغ، بالفعل كتبت مقالات في ذلك!) لإقامة الوطن البديل في الأردن، بسبب تغيير القانون، مع أنّ المشروع المطروح حينها لم يكن يتحدث عن زيادة نوعية في عدد المقاعد المحتملة للأردنيين "من أصل فلسطيني"؛ لكن الفزّاعة عملت بقوة لتثوير "المخاوف المكبوتة" وصناعة الأوهام حول القانون!
    حتى مشروع تقسيم البلاد إلى أقاليم تنموية، لإحداث تنمية تتناسب مع طبيعة كل إقليم وخصائصه، واجه التهمة نفسها، وتراجعت دوائر القرار عن المشروع، بعدما كانت لجنة قد شكّلت له من كبار رجال الدولة والسياسة، وتم استبداله لاحقاً بالمشروع الحالي الهشّ لـ"اللامركزية" الإدارية.
    القائمة طويلة جداً بالمشروعات والأفكار والخطط واللجان الإصلاحية -مثل الأجندة الوطنية ولجنة الحوار الوطني- التي تمّ إحباطها بالذريعة نفسها: الوطن البديل؛ الهوية الوطنية؛ والحقوق المكتسبة. حتى إنّ بعض السياسيين لم يترددوا في القول بأنّ اختيار القيادات الإدارية في الدولة وفقاً لمعيار الكفاءة لا الانتماء، يهدد الهوية الوطنية ويمهّد الطريق إلى الوطن البديل!
    إذا كان الوطن البديل هو دولة المواطنة والمساواة أمام القانون، والإصلاح السياسي، والحاكمية الرشيدة، والعدالة في التنمية، فهذا هو الوطن الذي نريده ونسعى إليه جاهدين. وإذا كانت فزّاعة الهوية الوطنية تعني ممانعة الإصلاح والدفاع عن المسار المتدهور في التعليم، وقانون الصوت الواحد الكارثي، والتنمّر على القانون، وغياب مسطرة القانون في الوظائف والموارد والمكتسبات، فهذه هوية وطنية خشبية بائسة قاتلة، وليست هوية متطورة إيجابية منفتحة على العالم والعصر والمستقبل!
    على أصحاب هذه الخطابات إعادة التفكير فيها جيّداً؛ فهي لا تخدم الدولة ولا الوطن ولا المجتمع، ولا حتى الشريحة الاجتماعية الواسعة في المحافظات. إذ بدلاً من استخدام هذه الفزّاعات، من الضروري المطالبة بالعدالة في التنمية الوطنية، وبتحسين الخدمات، وإحداث طفرة في التعليم، وتطوير أنواع التعليم المناسبة في المحافظات، واجتراح حلول جذرية لأزمة الاستثمار فيها، وتطوير قدرات أبنائها وإدماجهم في الدورة الاقتصادية.
    على النقيض من هذه الدعاوى، فأكثر ما أضر أبناء المحافظات (في الأعوام الماضية)، هي تلك السياسات التي تذرّعت بحماية الهوية والخوف من الوطن البديل، مثل قانون الصوت الواحد، وتغليب المعايير الوجاهية على قيم الكفاءة والمواطنة والقانون.





    [08-07-2015 11:51 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع