الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    "الظاهرة الأردنية" .. اللهم لا حسد!

    يقع الأردن بجوار منطقة براكين وزلازل قاتلة مدمّرة. وتزداد مساحة هذه المخاطر المحيطة يوماً بعد يوم، مع دخول اليمن اليوم، رسمياً، إلى أتون الفوضى الداخلية والحروب بـ"الوكالة"، وبحيث أصبحت مساحة الرؤية لدى الأردنيين مليئة بالأهوال؛ سواء في العراق، أو سورية، أو ليبيا، أو حتى اليمن مؤخراً.

    دول الخليج، التي بقيت -نسبياً- تحافظ على استقرار كبير، بتفاوت بين هذه الدول، تشعر هي الأخرى، حالياً، بحرارة البراكين بدرجة أكبر، مع أحداث اليمن، ودخول السعودية الحرب رسمياً هناك، مترافقاً ذلك مع وجود توترات مذهبية وطائفية في أغلب هذه الدول، وتفاوت في رؤيتها لمصادر التهديد والأخطار.
    ومع الاستقرار الأمني، النسبي، في مصر، إلاّ أنّ الأمور ما تزال مقلقة. فتنظيم "داعش" ينمو ويجد موطئ قدم في صحراء سيناء، والأوضاع الاقتصادية والسياسية في القاهرة والمحافظات الأخرى متردية. حتى الاستثناء التونسي، في "الربيع العربي"، طاولته يد الإرهاب!
    إلى الآن، ما يزال المشهد العربي يؤشر إلى دولتين أعمق استقراراً وأمنا من باقي الدول، هما الأردن والمغرب. وبالرغم من أنّ المغرب يعاني أزمات اقتصادية كبرى، وضغوطا شديدة بسبب الفقر والبطالة والحرمان الاجتماعي وانتشار العشوائيات والظروف المعيشية الصعبة لنسبة كبيرة من المواطنين، إلاّ أنّ ما يعطيه ميزة الاستقرار أمران رئيسان؛ الأول، جغرافي يتمثل في البعد عن مركز الزلازل والبراكين. والثاني، سياسي يعود لاجتيازه امتحان "الربيع العربي" بنجاح، على الأقل بتقدير مقبول؛ إذ انتقل إلى الحكومة البرلمانية، وعزز من المشاركة السياسية، وأدمج الإسلاميين في اللعبة السياسية بذكاءٍ شديد.
    يبقى الأردن هو الاستثناء، فعلاً. فبرغم أنّنا نعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وبرغم أنّ الحكومة ألغت الدعم عن أغلب السلع والتزمت ببرنامج صندوق النقد الدولي، وبرغم أنّنا لسنا دولة نفطية ولا نملك موارد اقتصادية هائلة؛ إلاّ أنّ الأردن عبر مرحلة صعبة للغاية كانت تهدد، قبل عامين، الاقتصاد الأردني بالانهيار، كما كان يؤكد خبراء اقتصاديون محايدون.
    تبقى "المعجزة" الأردنية الحقيقية، إن جاز التعبير، في حالة الاستقرار الراهنة، والأمان في وسط إقليمي يموج بالحروب الداخلية والإقليمية، والقتل والدماء والفوضى، والانزلاقات المجتمعية والسياسية. وهي الظاهرة التي تدفع بالمتابعين الغربيين إلى الانبهار والإعجاب الشديد، ومثلهم كثير من المواطنين العرب الذين يذوقون الأمرّين، وقد فقدوا أغلى ما لديهم؛ إذ يشعرون بالغيرة من هذا النموذج الاستثنائي.
    لماذا الأردن؟! أحسب أن الخطوط الرئيسة للجواب عن هذا السؤال موضع توافق في أغلب التحليلات. فالسبب الرئيس يتمثل في طبيعة النظام السياسي الأردني. إذ برغم أنّه لا توجد لدينا ديمقراطية ناجزة، بل هنالك تغليب للجانب الأمني على الإصلاحي، إلاّ أنّ النظام ليس دموياً ولا انتقامياً؛ هناك حجم كبير من المرونة والتوازن في إدارة العملية السياسية.
    يضاف إلى ذلك الدبلوماسية الأردنية، والأهم هو "نمط القيادة الأردنية" التي اكتسبت قدرة على "التكيف" مع التحولات الكبرى في المنطقة، تاريخياً. وهناك دور مهم للشعب الذي يغلب عليه المزاج المعتدل سياسياً؛ فالأغلبية تدرك أهمية الاستقرار السياسي والمجتمعي، وتبتعد عن الخيارات الراديكالية.
    ميزة الأردن الأخرى أنّه لا توجد فيه صراعات طائفية أو عرقية، شبيهة بتلك التي تعرفها كثير من الدول العربية في المشرق. وبالرغم من صعود الهويات الفرعية خلال الأعوام الماضية، إلا أنها تبقى أقل محلياً من الخطوط الحديّة التي تقسم المجتمعات الشقيقة!
    بالرغم من كل ذلك، فإن من المهم الالتفات إلى بعض القضايا الرئيسة التي تمثّل تحدياً للأمن الوطني، وفي قلبها سؤال الجبهة الداخلية، والتأكيد على تماسكها؛ عبر إدماج جيل الشباب في العمل العام، وزيادة مساحة المشاركة السياسية، والتخلص من شبهات الفساد، والحدّ من الفجوة الطبقية المتنامية.





    [03-04-2015 06:46 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع