الرئيسية
أحداث دولية
أحداث اليوم - وضع جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 أول من أمس بنيويورك، مسألة "الانتباه" في صلب التعامل الدولي مع الأزمات، إذ اعتبر أن ما نختار أن نوليه انتباهنا يحدد أي نزاعات تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة، وأيها يتراجع إلى هامش جدول الأعمال، إذ حذر جلالته من أن التاريخ نادرًا ما يفاجئ العالم بصورة كاملة، وإنما تتطور الأحداث غالبا، بينما ينشغل العالم بأمور أخرى.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تتجاوز مسؤولية المجتمع الدولي التعامل مع الأزمات بعد وقوعها لقراءة مؤشراتها في وقت مبكر، خصوصًا أن كثيرًا من الأزمات التي تشهدها المنطقة لم تبدأ بصورة مفاجئة، بل سبقتها مؤشرات سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية تراكمت طوال عقود، قبل أن تتحول لصراعات وتداعيات تتجاوز حدودها.
وجاء تأكيد جلالة الملك، أن "ما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا"، ليعكس جانبًا أساسيًا من هذه المعادلة، في وقت ربط فيه بين أزمات المنطقة وتأثيراتها على أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار وحياة الناس في مناطق مختلفة من العالم، ما يؤكد أن الأزمة الإقليمية لم تعد بالضرورة محصورة في نطاقها الجغرافي، وأن التأخر في التعامل معها قد يوسع دائرة تداعياتها.
هنا يبرز تساؤل جوهري: ما الذي يحتاجه العالم لقراءة الأزمات قبل حدوثها، وما تأثير ذلك على المنطقة؟
خبراء ومحللون سياسيون، رأوا أن الخطاب الملكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أول من أمس، يمكن قراءته بوصفه أكثر من مجرد عرض للموقف الأردني تجاه أزمات المنطقة، وبأن الرسالة الأعمق في مضمونه، موجهة إلى منظومة صنع القرار الدولي بأكملها، ومفادها أن العالم لم يعد يملك رفاهية انتظار الأزمات حتى تنفجر، ثم يبدأ بالبحث عن حلول لها، في وقت أصبحت فيه كلفة التأخر في قراءة المؤشرات، أكبر من قدرة النظام الدولي على احتواء تداعياتها.
الخبير د. بشير الدعجة، قال إنه يمكن قراءة الخطاب الملكي، بوصفه أكثر من مجرد عرض للموقف الأردني تجاه أزمات المنطقة، فرسالته الأعمق موجهة إلى منظومة صنع القرار الدولي، ومفادها أن العالم لم يعد يملك رفاهية انتظار الأزمات حتى تنفجر ثم يبدأ بالبحث عن حلول لها، لأن تكلفة التأخر في قراءة المؤشرات، أصبحت أكبر من قدرة النظام الدولي على احتوائها.
وأضاف الدعجة، أن جلالته وضع يده على واحدة من أخطر مشكلات إدارة الأزمات في عالمنا، وهي أن المجتمع الدولي غالبا ما يتحرك حين تتحول المؤشرات لوقائع، وعندما يصبح النزاع حربًا، والاحتقان انهيارًا أمنيًا، والهجرة الجماعية أزمة دولية، وانقطاع خطوط التجارة والطاقة تهديدًا للاقتصاد العالمي، بينما تكون الإشارات الأولى للأزمة قد ظهرت قبل ذلك بسنوات.
وهنا تكمن أهمية مفهوم "الإنذار المبكر الإستراتيجي"، وفقه، فالأزمات الكبرى لا تولد عادة من فراغ، بل تسبقها مؤشرات، فكلما امتلك العالم القدرة على قراءتها مبكرا، ازدادت فرص احتواء الأزمة قبل تحولها لصراع مفتوح يصعب التحكم بمساراته. مشيرا إلى أن جلالة الملك، كان واضحًا عندما أشار إلى أن التاريخ نادرًا ما يفاجئنا بصورة كاملة، بل إن المفاجأة غالبًا تأتي لأن العالم كان منشغلًا بشيء آخر، مبينًا أن المشكلة ليست دائمًا في غياب المعلومات، وإنما في غياب الانتباه المستدام لها وتحويلها لقرارات سياسية ودبلوماسية مبكرة.
وقال الدعجة، إن أكثر ما يلفت في خطاب جلالته أنه نقل مفهوم "الانتباه" من كونه مسألة إعلامية أو إنسانية إلى كونه موردًا جيوسياسيًا، فالأزمة التي تحصل على انتباه سياسي ودبلوماسي مستمر، يمكن احتواؤها بدرجة أكبر، بينما الأزمة التي تفقد اهتمام المجتمع الدولي تتحول تدريجيًا لأزمة مزمنة، ثم إلى واقع يصعب تغييره.
ولفت الدعجة إلى أن تجربة المنطقة العربية شديدة الدلالة، فمن لبنان إلى اليمن والسودان وغزة وسورية، نشهد أزمات لم تبدأ في لحظة واحدة، بل سبقتها سنوات من مؤشرات التوتر والتدهور، لكن عدم التعامل معها بالسرعة المطلوبة أدى في حالات عديدة لانتقالها من الخطر المحتمل إلى الأزمة الفعلية.
وأضاف، الأخطر من ذلك أن الأزمة في عالمنا لم تعد محلية بالمعنى التقليدي، وهو ما أكده جلالة الملك عندما ربط بين اضطرابات المنطقة وأسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار خارج المنطقة، مبينًا أن الحرب أو التوتر في منطقة إستراتيجية قد ينتقل تأثيره خلال أيام للأسواق وسلاسل الإمداد وحركة النقل والتأمين والطاقة، وبالتالي فإن ما يبدو أزمة إقليمية قد يتحول بسرعة لأزمة ذات تداعيات عالمية.
ورأى الدعجة، أن أخطر ما يمكن للعالم فعله، التعامل مع كل أزمة باعتبارها حادثة منفصلة، بينما الواقع الإستراتيجي يقول إن الأزمات أصبحت مترابطة، فأزمة الطاقة قد تتحول لأزمة اقتصادية، والأزمة الاقتصادية قد تنتج ضغوطًا اجتماعية، والضغط الاجتماعي قد يغذي الهجرة، والهجرة غير المنظمة قد تخلق توترات سياسية وأمنية، ثم تدخل شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب والمعلومات المضللة على الخط.
وقال هنا تظهر أهمية الرسالة الملكية، فالأردن بحكم موقعه الجغرافي وتجاوره مع بؤر صراع متعددة، يدرك أن الأزمة التي تقع خلف الحدود ليست بعيدة، لذلك جاء تأكيد جلالته أن تهديد الحدود الشمالية أو الأمن المائي للأردن، مسألة أمن وطني مباشرة، وهي إشارة إستراتيجية إلى أن مفهوم الأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود بالقوة العسكرية فقط، بل أصبح يشمل المياه والطاقة والغذاء والاقتصاد وسلاسل الإمداد والاستقرار المجتمعي.
لذا، يمكن فهم دعوة جلالته للعالم، باعتبارها دعوة للانتقال من إدارة الأزمات لمنع الأزمات، ومن سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق، ومن التعامل مع النتائج إلى معالجة جذور الخطر قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب عكسها.
وأوضح الدعجة بأن ذلك يعني أنه إذا كانت المؤشرات السياسية تشير لتصعيد محتمل، فالمطلوب تحرك دبلوماسي مبكر، وإذا كانت المؤشرات الاقتصادية تشير لأزمة غذاء أو طاقة، فالمطلوب إجراءات وقائية قبل وصول الأسعار لمستويات تهدد الاستقرار، وإذا كانت المؤشرات الأمنية تشير لتوسع شبكات التهريب أو الإرهاب، فالمطلوب بناء قدرات المواجهة قبل تحولها لتهديد عابر للحدود.
وأكد أن هذا المفهوم مهم جدًا بالنسبة للأردن، فالمملكة تقع في منطقة تتقاطع فيها المخاطر في وقت واحد، لذلك فإن الاستثمار في منظومات الإنذار المبكر وتحليل المخاطر ليس ترفًا مؤسسيًا، بل من ضرورات الأمن الوطني. أما الرسالة الملكية الأخرى فتتبلور بأن التحذير من الأزمة لا يعني امتلاك القدرة على منعها بمفردك، بل يعني امتلاك القدرة على رؤية مسارها مبكرًا.
وأضاف الدعجة، أن هذا بالضبط ما يجعل الدبلوماسية الوقائية جزءًا من منظومة الأمن القومي، فالدبلوماسية في مفهومها الحديث، لم تعد فقط إدارة للعلاقات بين الدول، بل أصبحت أداة لرصد المخاطر، وبناء قنوات الاتصال، ومنع سوء التقدير، وتخفيف احتمالات التصعيد، وفتح مسارات للحوار قبل أن تغلقها لغة القوة.
وأشار إلى أن جلالة الملك، قدم نموذجًا أردنيًا يقوم على الجمع بين المسارين، الاستجابة للأزمات الطارئة، وبناء المستقبل وتعزيز القدرات، وهو ما تحدث عنه بتطوير قدرات الأردن الدفاعية ومواجهة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود، بالتوازي مع بناء دوره كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا وربط الخليج بالمتوسط.
وبين أن مقولة جلالته أن "ما نهمله اليوم يشكل مستقبلنا"، تحمل دلالة إستراتيجية شديدة الأهمية، فكثيرًا من المخاطر التي يواجه العالم، كانت في الأصل إشارات صغيرة، ثم تراكمت، فأصبحت أزمات، وتحولت لحروب أو موجات نزوح أو أزمات اقتصادية وإنسانية عابرة للحدود.
وأوضح بأن الأمن في القرن الـ21 لم يعد ينتظر صوت الرصاصة حتى يعلن حالة الخطر، بل يستطيع أن يقرأ ارتفاع أسعار التأمين على الشحن، واضطراب حركة الملاحة، وتراجع الاستثمارات، وزيادة خطاب الكراهية، وارتفاع عمليات التهريب، وتصاعد الهجمات السيبرانية، وتغير أنماط الهجرة، باعتبارها مؤشرات، تفيد بأن شيئًا ما يتشكل في الخلفية.
من هنا، تكمن قوة الخطاب الملكي، بحسب الدعجة، بطرحه تساؤلات وجودية على المجتمع الدولي: ماذا لو تعاملنا مع مؤشرات الأزمة باعتبارها إنذارًا مبكرًا وليس مجرد أخبار عابرة؟ وماذا لو أصبحت الدبلوماسية تتحرك قبل الانفجار لا بعده؟ وماذا لو أصبح منع الحرب أولوية تسبق إدارة آثارها؟
وأضاف أن المنطقة العربية، دفعت ثمنًا باهظًا لتأخر المجتمع الدولي في قراءة مؤشرات أزماتها، لذلك، المطلوب ليس مزيدا من البيانات والقلق الدولي بعد وقوع الأحداث، بل بناء قدرة حقيقية على استشراف المخاطر، وتحديد نقاط الانفجار المحتملة، وتحريك الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية قبل وصول الأزمة لمرحلة اللاعودة.
وقال الدعجة إن الأردن يطرح أمام المجتمع الدولي فلسفة أمنية واضحة "لا تنتظروا الأزمة حتى تصبح حربًا، ولا تنتظروا الحرب حتى تصبح كارثة، ولا تنتظروا الكارثة حتى تبحثوا عن الحلول"، فالسياسة الأكثر كفاءة ليست هي التي تنجح بمنع الكارثة قبل وقوعها.
الأبعاد الإقليمية والدولية
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، قال: إن الخطاب الملكي، جاء ليؤطر مجموعة قضايا بأبعادها الإقليمية والدولية، لافتًا إلى أن الأهم فيما تناوله جلالته من محاور، هو أن ما يحدث في الإقليم لا يمكن فصله عن البعد الدولي وما يحدث عالميًا.
وأضاف أن جلالة الملك، بين أن الانتباه استفادت منه فقط إسرائيل، بينما يجب دائمًا العمل على أن يدرك المجتمع الدولي ما حصل وما يحصل في المنطقة العربية، موضحا بأن ما يحدث، هو نتيجة محاولة فرض الاحتلال، إرادته وشروطه على المنطقة، ما أحدث نوعًا من الخلل في بنية الاستقرار بالمنطقة.
وأشار إلى أن جلالة الملك، نبه العالم لضرورة "الانتباه"، وإدراك القضايا المحتملة التي يمكن أن تحدث نتيجة سلوكات وسياسات إقليمية أو عالمية، لقراءة النتائج التي يمكن أن تترتب عليها مشاكل تعاني منها المنطقة والعالم في الوقت نفسه.
وأضاف الماضي، أن جلالته ركز على الأمن الوطني، إذ تحاول إسرائيل الاقتراب من الحدود الشمالية الأردنية عبر توغلاتها في الجنوب السوري، ما سيحدث أزمات كبيرة جدًا، فهذه التوغلات قد تتسبب بمزيد من اللاجئين، وقد تصبح بوابة لعدم الاستقرار، بحيث ستصل لأوروبا والولايات المتحدة.
وقال، إن الأطر التي وضعها جلالة الملك في خطابه، دليل، وإطار سياسي على العالم أن يعمل به.
الانتباه ومتابعة الأزمات
وأضاف رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن المجتمع الدولي يهتم بالأزمات، لكنه اهتمام سرعان ما يختفي، إذ أكد جلالة الملك أهمية قوة الانتباه ومتابعة الأزمات وعدم الانصراف عنها أو الاكتفاء باحتوائها، وأن الحل يؤدي لإنهاء الأزمة جذريًا ويحفظ الأمن والسلام الإقليميين.
وقال شنيكات، إن عدم الحل يؤدي لتراكم الوضع وخروج الأمر عن السيطرة، فالشرر يصل الجميع، مشيرًا إلى الحرب الأميركية على إيران، أدت لتعطيل مضيق هرمز، فتسببت بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وأثر على دول العالم، ما يعكس خطورتها كأزمة أضحت عالمية لا محلية. مؤكدا وجوب التحرك بسرعة لمواجهة أي أزمة تنشأ، وعدم ترك الأحداث تتجه لأزمات أخرى، مضيفًا: "لا بد من مواجهة كل أزمة والانتهاء منها".
وأكد شنيكات أن التحرك يجب أن يكون في إطار "دبلوماسية وقائية"، أي اتخاذ إجراءات لمواجهة أي تحدٍّ متوقع قبل حدوثه، لضمان الأمن والسلام في العالم، ما يتطلب تعزيز مفهوم الأمن الإنساني، والإيمان بفكرة الحقوق المتساوية للشعوب، والاهتمام بالرفاه والاقتصاد ومواجهة القضايا الأساسية كالجوع والفقر والتفاوت الطبقي في العالم، وكذلك غياب العدالة والتحديث، وضرورة وصول الناس إلى التكنولوجيا والمعلومات والتعليم الجيد.
وحذر من أن غياب وصول الناس إلى هذه الحقوق والخدمات سيؤدي للإحساس بالظلم، وانتشار الأفكار الظلامية والإرهاب، وبالتالي الانتقال لمواجهة الإرهاب الناتج عن غياب العدالة.




الرجاء الانتظار ...