الرئيسية بالعامية

شارك من خلال الواتس اب
    و بصرخة وحدة .. ماتت حمدة

    أحداث اليوم - ميسر السردية - للخياطة طبيعة خاصة , لا يعرفها إلا من عايش تفاصيلها, النظافة والترتيب والذوق والدقة في استثمار الوقت والدبلوماسية في التعامل مع الزبونات , تقبل مختلف الآراء و حسن الاستماع وقلة الكلام, ومجاملات لا نهايات لها طيلة نهارات المقص وقص القماش.
    تكونت انطباعاتي هذه من كوني ابنة خياطة في الزمن الذهبي لهذه الحرفة, ولطالما حفظت من أمي وهي تدرُز على الماكنة أغنية " طارت طيارة ترمي بطاطا أبويا ضابط وأمي خياطة" لقد كانت صاحبة المقص فرصة لا تعوض للارتباط بها " إيدها تنلف بحرير" لما تدره من دخل على أسرتها مساندة لزوجها وذويها, كما شاهدناه في الدراما العربية.
    بالأمس لفتني وفاة حمدة الخياطة التي تعمل في أحد المصانع بعد تعرضها لنوبة كما أشيع إثر صراخ رب العمل في وجهها, لا أدري تحديدا ما حدث ولكن أول ما تبادر لذهني انه قد تكون هددت بالطرد لأنها لم تجد ثنية كم القميص أو قص القبة بحرفية الملم.
    لاسم حمده وقع خاص , ما قبل عمر الفرا, مرورا بخطوبة جارتنا حمده ,يومها دخل الجاتو لأول مرة قريتنا, طلع كيك وأنا كنت مفكرته زلمه , وتجر الأمثال الشعبية على ذاكرتي المثل الشهير في حياتنا لمن لم فاض به الصبر لحدوث شيئا ما " جيزة حمده براس المعناق" وحتى تختمها حمدة البارحة للموت فوق ماكينتها وكأن كل حياتها التي لا تحمل منها إلا رقمها الوطني كي تدفع ما عليها من واجبات والتزامات كانت نسيا منسيا.
    طافت السيناريوهات في خيالي, فرأيتها تنتظر صباحا الميكروباص كي تصل المصنع, حاملة في حقيبتها زرين بندورة وبيضة مسلوقة, مرتدية جاكيت رجالي مُهترئ الأكمام, ويمكن لابسة عباية اشترتها ع عرس سلطان, قد تكون كفلت أحد ذكور العائلة بمبلغ 1000 دينار من إحدى مؤسسات الإبتلاء السرطانية , وقد تكون تحاول تأمين مصروف شقيقتها الجامعية وقد تكون تدفع أجرة البيت وفواتير أخرى..الخ الخ
    الحقيقة الوحيدة الدامغة أن حمده لم تتعرف يوما على طعم الإفطار التقشفي "الهاي كلاس "في قاعات الفنادق المكيفة ,ولا عطور كريستيان ديور ولم تخالط ربات الصون من سيدات المجتمع الفخم ولم تسمع بتنظيرات الجندرة وضرورة انخراط المرأة في الحياة السياسية , بالتأكيد لم "تزمُها" وكالات الأنجزة إلى ما وراء البحار كي تلتقط صورة تذكارية مع تماثيل الغرب الكالحة.
    الحقيقية أن حمده ناضجة حياتيا كرغيف خبز على الوجهين, تجهد لتجفيف جفت الزيتون قبل اهتبال جذوة البرد ولسعة القحيط , تغفو بعد صلاة العشاء على المصلى ,حتى تستفيق كزر ورد مع الفجر , عل يومها يمر كيومها الماضي بسلام
    الحقيقة الوحيدة أن "ثوب المخمل ..مراية حمده ... المشط ..البُكلة.. كلهم صاحوا ...ماتت حمده"
    حمده ليست ابنة أو زوجة مسؤول حتى تنبري أقلام الكتبة للدفاع عنها...........
    لا يلومنني أحد على بؤسي وركسي بالكلام ... قلبي من الحامض لاوي.





    [03-11-2021 03:48 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع