الرئيسية بالعامية

شارك من خلال الواتس اب
    مات متعب الصقار
    متعب الصقار

    أحداث اليوم - علي عبيدات - مات الفنان الأردني متعب الصقار! مات رمثاويٌّ نقي بعد صراع مع علّةٍ لم ترحم صاحب أحنّ الأصوات الأردنية، تخيل كيف هالَ الرماثنة التراب على قبره اليوم! كنا نقول:" الله معك"، مات فتى كان يغني في أفراح الرماثنة نهاية السبعينيات، كان يافعًا يقف بين خالاتنا وعماتنا الرمثاويات ويغنين معه، تلك الرمثا، حيث كل النساء "يُمّا". مات رمثاوي حقيقي يملك صوتًا طريًا يشبه المسافات الطويلة نحو رزق الشاحنات والحدود والمعابر والكرم الذي ورثناه لأن الأرض كلها تمر من أرضنا. لقد مات شيء من الرمثا. مات فنان.

    متعب لم يكن مغني أفراح، متعب صاحب العرس دائمًا، متعب لم يعرف الكبرى والغرور مثل جيل اليوم. اتصل به فيرد عليك ويأتي ليغني في الشارع، تلك أصالة متعب المجبول ببيادر الرمثا وهدوء المُثلث وشموخ العاصمة دبة نمر، متعب يعني اللهجة السليمة، النطق السليم، الحفظ الكثير، هذا رجلٌ جمع الأردن كلها في صوته، والأردن كما تعلمون بلد دافء لم يعرف القسوة. حين يغني متعب تردُ عليها مؤاب، الريفُ والدمُ واللقمة والسيف .. كله واحد!. دفنا اليوم أجمل جوهرة في سيرة الرمثا الفنية الممتدة لأكثر من قرنين.

    مات متعب رجلًا، وهكذا أنجبته أمه، فصوته الحنون هو نفس الصوت الهادر القوي القادم من حرابات الرماثنة أهل الجندلية، وحين ترتفعُ جوابات متعب في الغناء ستسمعُ قرعَ السيوف في بركة الدم والجبيل والشلالة. الرجولة يعني أن تكون مخلصًا للتراب الذي خرجت منه، ونحن جميعًا تربينا في مدرسة الأنفة والصَّلف الرمثاوية، كذلك هو، كان سفيرنا في الأوساط الراقية التي تحب التراث وبعد أن يعود من حفلاتهم يجلس أمام البيوت مع كبار السن ويتحدث معهم عن الخبز والحب والجيرة.

    مات رجلٌ أصيل وحر، الحرُّ الذي لم تُكْسَر عينه بشيك تحت فنجان قهوة، بسيارة هدية، بمتعهد حفلات يأخذه حيث لا يحب، بمدير إذاعة أو شركة إنتاج يتحدث معه بنبرة لا يحبها متعب. متعب الرمثاوي الحرُّ الذي شبعَ في بيت أهله ولم يلهث خلف طائفة الطبالين. كم مرةً رأيت متعب في لقاء تلفزيوني؟ كم مرةً تم تكريم متعب؟ من سأل عن متعب كيف يعيش؟ وحين كان يتعثر كم إعلاميًا من إعلاميي الصُدف اتصل بمتعب ليسأل عنه!

    عاش متعب رمثاويًا خالصًا بلهجته وتواضعه وحبه للناس. متعب كبيرُ مطربي الرمثا والأردن والأكثر حفظًا لعيون تراثنا. المطرب الذي لا يغني في عرسٍ فيه رصاصة واحدة، ولا يجيدُ الغناء إذا كانت أم العريس ميتة، فهو يقول:" فرحة العرس لام العَاريس".

    متعب الصقار يعني الرمثا كلها. متعب يعني الرجل الذي حمى مجد الفن الرمثاوي بعد تدمير فرقة الرمثا واطفاء نارها يوم كان خالي نايل البشابشة يطوف العالم بالفن الرمثاوي الأردني. متعب عاشق نادي الرمثا الأول الذي غنى لكل أمجاده منذ سنة الثمانين. متعب الذي مد يده للواعدين الجدد (حيتان اليوم) ولم ينتظر شكرًا. إنه الفنان الذي غنى لفلسطين والعراق ولكل وجع عربي، متعب الذي يحول أي كلام معه إلى كلام عن الفساد الذي يأكل بلادنا بلغة رمثاوية بسيطة، ثم ينسون متعب لأنه حقيقي، ومات متعب!

    بحّة الريف ناقصة دونك يا متعب، كل أغنيات الحصاد صارت أقل، والهجيني لم يعد كاملًا، زفة العريس ستصبح بخطى أثقل، لقد مت وأنت الذي يعرف جيدًا مجد بئر المحاسي وأعراس تاكسي اليرموك وجوفيات الفلاحين ومشّارات الزعبية، أنتَ الذي غنى للوحدة الوطنية للُحمّة الرمثاوية للنخوّة الحورانية، مُتَ يا صديق كبار وكبيرات السن! كنتَ تشعرُ بسعادة هائلة تساوي درعًا وطنيًا حين تقول لك امرأة كبيرة:" والله انك مليح يا متعب، اتاقى بس اتاقى دير بالك من الحسد". ما أكبر الخسارة أيها الصقار، لكنه طبع الصقور تحط لتفرض قيمتها وتحلق لتقول أنا هنا أفضل. مع السلامة يا متعب.





    [24-04-2021 07:11 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع