الرئيسية بالعامية

شارك من خلال الواتس اب
    سؤالٌ بريء!

    أحداث اليوم - كتب : لانا مامكغ

    سيّدة ممتلئة مائلة إلى السّمرة كانت تتحدّثُ بحماسة في إحدى القنوات التلفزيونيّة لتقول:
    "أستخدمُ خبرتي الطويلة في المهنة حتى أنصحَ الجدد فيها بالالتزام بالتعليمات، لكن بعضُهم كان (يبصّ) في الكاميرا ويبتسم… فيُطرد فوراً!"
    آخر واحد كان وضعه المادي سيء للغاية، لكن عنده حلُم باحتراف التمثيل، ودخولِ عالم الشّهرة، جبتو معايا وعرّفتو على الجماعة ونصحته بأن يحترم الأوامر، ويتحرّك وهو ساكت من غير أي كلام... لعلَّ وعسى يلفت نظر المخرج وربّنا يفتحها عليه (وينطق) في المرّات الجاية!"

    لقاءٌ طويل شرحت فيه السيّدة بإسهاب معاناة الممثّلين "الكومبارس" الذين، حسب قولها، يُضطرون للوقوف بالسّاعات في الحرِّ والبرد على أبواب الاستديوهات إلى أن يحينَ موعدُ المشهد الذي سيظهرون به في الخلفيّة، مشاةً في الشّارع، أو بائعين، أو سكّانَ حيّ ما… إلخ، لتؤكّد أنّها شخصيّاً عاشت قصّة نجاح، إذ بدأت "كومبارس" صامتاً… حتى أسندَ لها أحدُ المخرجين دوراً يقتضي منها النّطقَ بجملة من كلمتين، فقضت أيّاماً تتدرّبُ عليهما… ثمَّ في دورٍ آخر أتيحَ لها النّطقَ بثلاث جمل كاملة… وحصل تألّقها، حسب قولها، حين أدّت دور "خادمة" في أحد المسلسلات، فتبادلت مع بطلة المسلسل حواراً استمرَّ لدقائق!

    انتهى اللقاء وأنا أعصرُ ذاكرتي لعلّي أستحضرُ مشهداً واحداً لمحتها فيه، لكنّي فشلت طبعاً، فشعرتُ بالخيبة… كيف لا نلاحظُ هذه الفئة من البشر؟ سواءً أظهروا في الأعمال العربيّة أم الأجنبيّة؟
    ولماذا لم نلتفت يوماً لحقيقة أنّهم يُعاملون كالأشياء والأغراض التي تلزمُ الديكورات الخلفيّة للمشاهد؟
    ولماذا ننبهرُ، مقابل ذلك، بالأضواء السّخيّة المسلّطة على الممثلين الرّئيسيين، وننسى الفئةَ التي لولاها ما اكتسبَ المشهدُ الدّرامي مصداقيته وواقعيّته المفترضة؟
    إنهم بشرٌ بأسماء قد لا تُعلن على "تِتر" العمل، وإذا كتبت، فيكون بخطٍّ صغير غيرِ مقروء يمرُّ أمام المتلقّي سريعاً، بشرٌ لهم همومُهم وأحلامُهم وتطلّعاتهم، يتحرّكون في مساحةٍ منسيّة، أو يقفون بصمتٍ وصبر على مسافةٍ شاسعة من دائرة الضّوء التي تفيضُ على مشاهير الدراما في السينما والتلفزيون بالألق والشهرة والثروة…

    وفي عودة إلى واقعنا اليومي، فحديثُ السيّدة عن هذه الفئة ذكّرني ببعض مدّعيّ العصامية، والمتشدّقين بقصص النّجاح الفرديّة…
    لأسأل هؤلاء ببراءة: ألم يقف وراءكم أيُّ "كومبارس" للمساندة الصّامتة حتى تحتلَّ أنتَ الصّدارة في عالم الشّهرة؟ هل شعرت بوجودهم يوماً؟ هل تذكرُهم؟ أم كانوا سيخرجون من حياتك لو نطقوا بحرف!





    [21-09-2020 10:08 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع