الرئيسية أحداث محلية

شارك من خلال الواتس اب
    الحماية الاجتماعية .. حق وليس منة!
    من الاجتماع

    أحداث اليوم - على وجه الدقة، يمكن اليوم تحديد أوجه القصور في استراتيجيات الحماية الاجتماعية في المنطقة العربية، بالتزامن مع ظهور فيروس كورونا المستجد الذي جدد معاناة الفقراء والفئات الأقل رعاية، في ظل عدم وجود قوانين وتشريعات تعينهم على العيش بكرامة واستقرار وتجنبهم مرارة الحياة.

    وذلك، بكل تأكيد، يبعث إلى القلق الإنساني حول مصير تلك الفئات، والتي تطلع بدورها إلى جواب وحل وخلاص، وحماية بسبب تداعيات كورونا التي كشفت بضوئها فساد المألوف، وقصور الواقع الاجتماعي في المنطقة.

    وفي تصاعد أزمة كورونا، أزيح الغطاء عن واقع الحماية الاجتماعية واستراتيجياتها المختلفة، حيث أظهر عدة فجوات وثغرات، أثرت ومست حياة الملايين من الناس، الأمر الذي قوبل بدعوات عاجلة لإقرار قوانين وأنظمة فعالة، مع وجود مؤسسات قوية، تتغلب على تلك المشكلات.

    ونعلم جيداً أن لأزمات الكبرى والمفاجئة التي تمر بها الدول تمثل فرص لاختبار فاعلية السياسات العامة القائمة، وهذا بالذات ما نتج عن فيروس كورونا الذي أختبر، بكل قوة، مدى فعالية منظومة الحماية الاجتماعية المعمول بها في الإقليم عامة، وفي الأردن تحديداً.

    وكدعوة للاستيقاظ، جاءت الحوارية الخامسة لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية "أرض"، التي أدارتها العين د. سوسن المجالي، خصوصاً في حديثها عن مأسسة واستدامة خدمات الرعاية الاجتماعية وتجويد الحماية الاجتماعية، خصوصاً وقت الأزمات.

    وكان أبرز ما تناولته "أرض" في جلستها حول "استراتيجيات حماية الحماية الاجتماعية في المنطقة العربية.. هل تكفي؟"، دون إغفال مدى إمكانيات الدول لتحسين الاستراتيجيات الحالية، وأيضاً ماهية الاستجابة لطموح المأسسة والاستدامة من خلال مؤسسات القطاع العام، وبالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.

    * الحماية الاجتماعية.. إلى الخف سر!

    على غرار حقوق الإنسان المعروفة؛ من المسكن والشراب والطعام، يبرز اليوم أن منظومة الحماية الاجتماعية ما تزال قاصرة عن تقديم خدماتها الحقيقة، بل وافتقادها لنظام يناسب طبيعة أعمالها، وبالتالي يناسب النظام الاقتصادي الموجود بكل دولة.

    ورغم وجود أنظمة وقوانين واستراتيجيات ساهمت بتفعيل الحماية الاجتماعية في الوطن العربي، جاءت كورونا لتكشف ضرورة تفعيل ومأسسة قوانين معينة، نصرةً للفئات الهشة، الذين يحتاجون فعلاً للرعاية.

    العين المجالي، وفي الجلسة ذاتها، لم تختلف مع تأكيدات كثيرين بأن الضمان الاجتماعي يشكل العمود الفقري لأي منظومة حماية اجتماعية في أي دولة، وصمام الأمان الذي سيوفر الحمايات الاجتماعية للفئات الأقل رعاية، لكنها، في المقابل، جددت حاجة البلدان العربية لنظم فعالة في الأزمات تستجيب للفئات، خصوصاً في زمن كورونا.

    وبحسبها، الجائحة اختبرت ما نواجهه من ثغرات وقصور، كما أظهرت تدهور خطط الطوارئ للقضايا الصحية، وعدم شمول جميع المواطنين تحت مظلة الضمان الاجتماعي، مقابل أن الضمان الاجتماعي لا يكفي وحده لضم جميع الفئات الهشة التي لا تعمل، ويجب ان تعمل باقي المؤسسات بتكاملية مع الضمان الاجتماعي لتغطية جميع جوانب الحماية الاجتماعية، فالموضوع ليس فقط معونات وليس فقط ضمان اجتماعي.

    في العالم العربي، وفي الأردن، ساهمت التكنولوجيا بالوصول إلى مجموعات معينة بحاجة للدعم والمساعدة، لكنها أيضاً قد همشت مجموعات أخرى، وهو ما يعتبر كارثة بحق الذين لم ينالوا نصيبهم من المساعدات والحماية، وعرقل أيضاً ضمان معرفة التغذية الراجعة والجمهور المستهدف من الخدمات.

    * الفقراء يصرخون: يا وحدنا!

    "يا وحدنا".. قد يكون هو شعار الفقراء في العالم العربي في هذه المرحلة السيئة والقاسية، في ظل كورونا، حيث لا خيار أمامهم سوى الاستغاثة وطلب حقهم في الحياة والحماية من الدولة والمؤسسات الداعمة.

    الأردن، ومن خلفه الشعوب العربية، بحاجة لاستراتيجيات واضحة وحقيقية من أجل وضع أرضية للحماية الاجتماعية، تكون شاملة وشفافة وقابلة للمحاسبة والمسألة، بما يضمن الحد من فقر الأردنيين، وحماية الأسر الهشة، مهما طال الظلام.

    التمتع بحياة كريمة وبيئة عمل لائقة وخدمات اجتماعية ممكنة، هو ما أعادت تأكيده، اليوم، وزيرة التنمية الاجتماعية السابقة، وعضو فريق الحماية الاجتماعية الوطني، نسرين بركات، لكنها رأت حاجتنا لمؤسسة ثابتة ودائمة وقوانين إضافية تجمع خدمات الحماية الاجتماعية تحت مظلة واحدة.

    استعرضت بركات إستراتيجية الحماية الاجتماعية في الأردن منذ 1926، التاريخ الذي بدأت فيه المملكة بوضع برامج عديدة للحماية الاجتماعية من خلال حماية المنظومة الصحة، ومنظومة التقاعد المدني والتنمية الاجتماعية ودعم السلع والتعليم وصندوق التنمية والتشغيل، ثم صندوق المعونة الوطنية وشبكة الأمان الاجتماعي، وصولاً إلى برامج محددة لمحاربة الفقر.

    جاءت الإستراتيجية في ثلاثة محاور رئيسية: سوق العمل لائق وعادل وتأمين اجتماعي، وخدمات أساسية شاملة لتمكين الأفراد، وكرامة تقديم المساعدات الاجتماعية للأسر الفقيرة. لكن ذلك، لم يمنع بركات من الإقرار أن هذه الإستراتيجية ما تزال قاصرة، رغم ما قدمته من خدمات كثيرة للفئات الأقل رعاية، خصوصاً في ما يتعلق بفرص العمل التي تشهد تدنياً وتراجعاً مع الزمن، مقابل توسع فرص العمل للوافدين، وبالتالي هناك منافسة كبيرة بينهما.

    تجد بركات أن سوق العمل غير منظم في الوطن العربي ككل، وفي الأردن على وجه التحديد، بمعنى أن العامل الذي يعمل في منشأة أو مؤسسة لا يتم شموله في الضمان الاجتماعي، وهو ما استدعى في الأزمة أن يكون موجوداً فيه، وهنا يجب تنظيم سوق العمل لتقليل البطالة وحماية العمالة.

    ذلك يعيدنا إلى أن معايير الاستهداف التي كان الأردن يتبعها سابقاً "لم تكن تأخذ بعين الاعتبار العاملين أو القادرين على العمل"، إذ نجد أن العديد من الفقراء يعملون بأجر يومي لا يكاد يكفي!

    في المحصلة، أشارت الإستراتيجية الوطنية لوجود قطاعات كثيرة؛ مثل الصحة والتعليم والعمل والزراعة، وغيرها، تتطلب تفعيل التكاملية بين تلك القطاعات والرقابة على تنفيذ التزاماتها في هذا الجانب.

    بركات لاحظت أن هناك مشكلة تتمثل بعملية استهداف الفئات الهشة من المساعدات، والتي، لا تذهب في أغلب الأحيان لمستحقيها، مشددة على التركيز على جانب الوقاية للحد من توسع أعداد الفئات الهشة، وبالتالي الحد من المشكلات التي تطفو على السطح، مع الالتفات بشكل شمولي وتكاملي لضمان حياة كريمة للمواطن العربي.

    * المجتمع المدني.. ليس مساعدات فقط!

    أن تكون منظومة الحماية الاجتماعية مبنية على حقوق أساسية يكفلها القانون لجميع فئات المجتمع، دون تميز، وفي كل مراحل الحياة، بحيث تشمل الحد الأدنى من الدخل ليكفل حياة كريمة للناس، هي مطلب جماهيري، غايته إلزام حكومات الدول العربية ومؤسساتها بقانون دستوري، وبالتشارك مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.

    ذلك المطلب، يتوافق مع حديث المديرة التنفيذية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، دعاء قريع، التي رأت أن منظمات المجتمع المدني ليست هي القائمة على المعونات والمساعدات والطرود، أو التي تنظر في مساعداتها على أنها "حسنة أو صدقة أو حتى مكرمة.

    المطلوب حالياً، التكامل ما بين منظمات المجتمع المدني والدول والقطاع الخاص؛ للخروج من الدور التقليدي بتقديم الخدمات والمساعدات العينية لدور أكبر رقابي على السياسات وتطويرها والتأثير عليها في القطاعات المختلفة، كالصحية والخدماتية، بحيث تصبح أكثر عدالة ونوعية وشمولية على أساس حقوقي وعادل وشفاف.

    وفي فلسطين، تؤكد قريع أن المجتمع المدني ما يزال يبحث عن نظام حماية اجتماعية شامل يستهدف جميع الفئات بدون تمييز، وذلك أن قانون الضمان الاجتماعي هناك لا يشمل الفقراء والفئات الأقل رعاية، الذين هم بحاجة ماسة للحماية.

    وخلال الجائحة، زاد الأمر تعقيداً من ناحية الحماية الاجتماعية، وذلك لا يعني أنه كان أفضل قبلها، بمعنى أن الفئات المهمشة التي يجب أن تتوفر لها الحماية ما يزالون يعانون الأمرين، ولم يتغير عليهم أي شيء وأعدادهم زادت.

    الأمر الذي تحيله قريع، إلى هشاشة قانون العمل وعدم تطبيقه على تلك الفئات، في ظل ارتفاع نسبة البطالة في فلسطين لتصل إلى 48%، وتحديداً في الضفة وقطاع غزة المحاصر، مؤكدة أن الحاجة تفرض سن قوانين تعزز صمود الفئات الهشة في مواجهة الأزمات والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

    *" نساء بغداد".. والشيء بالشيء يذكر!

    في عداد الأمنيات تطمح المرأة العربية، وعلى وجه الخصوص المرأة المعيلة لعائلتها، سواء المطلقة أو الأرملة، أن يكون هنالك تشريع قانوني خاص وشامل يجنبها الوقوع في براثن الفقر والحاجة.

    وللأسف ذلك المطلب لم يتحقق إلى غاية اللحظة، بل وازداد الأمر قتامة وتعقيداً، إذا ما علمنا أن المنظومة الاجتماعية في المنطقة العربية تترك لوثة اجتماعية ضد النساء، وتنظر لهم نظرة دونية ونظرة تشكيك، وهي نظرة مرتبطة بالعادات والتقاليد المجتمعية، والتي تؤثر، في مجملها، على تعليمها وعملها وحياتها.

    ولعل هذا الأمر بالذات، ما نبه "أرض" إلى استضافة المحامية والناشطة الحقوقية، العراقية، رشا حلول، التي تبنت ضرورة أن تمتلك النساء مؤهلات علمية واقتصادية للعمل، خصوصاً إذا كانت البيئة التي تعيش فيها "مقوضة" ومقيدة لحريتها ومؤهلاتها، وتتعرض فيها للتحرش بأنواعه المختلفة.

    وذكرت حلول هنا، ما تقدمه جمعية "نساء بغداد" التي تعمل في العراق منذ العام 2004 لحماية وخدمة النساء العراقيات الأرامل، في ظل ما مر به العراق من حروب وصراعات وتهجير وقتل وانتهاكات، إذ كانت المرأة عرضة للضرر والتهميش والتعنيف بصورة مضاعفة.

    ولم تخف حلول "حقيقة" قصور أنظمة الحماية الاجتماعية في دولتها، الأمر الذي يعود بنا إلى قضية الاستراتيجيات والتشريعات الناظمة هناك، التي للأسف، غير كافية ولا تشمل الأرامل اللواتي قدرت أعدادهن خلال الأحداث الأخيرة للعراق نحو 8 آلاف أرملة، وقس على ذلك أوضاع المطلقات وأمهات الشهداء.

    إذن "الشيء بالشيء يذكر"، فمعاناة نساء العراق، لا تختلف عن معاناة أخواتهن في الدول العربية، وخصوصاً اللواتي يعشن في مناطق النزاع والحروب، وهن بحاجة إلى تفعيل قوانين تحميهن، كقانوني العمل والضمان الاجتماعي، لأن ذلك سيكون أكثر تخصص وشمولية لمعرفة احتياجاتهم، وبالتالي التمتع بتغطية أوسع.

    ثلاثية الحماية الاجتماعية.. إرادة، ديمومة، تشاركيةَ

    في هذا الباب بقي علينا أن نستشف خلاصة ما تم طرحه سابقاً. لكن قبل ذلك، علينا أن نعترف أن منظومة الرأسمالية العالمية لهذه الجائحة كشفت عن العديد من القضايا الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار في أي تطوير لأي نظام وطني للحماية الاجتماعية، وذلك مقابل ضعف الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة.

    وهنا، نقصد بالحماية الاجتماعية كحق لا كأمنيات، والحق دستوري للجميع، وليس في الأزمات وحالات الطوارئ فقط. وهو ما يجب أن نلتفت إلى أن أزمة كورونا عكست أهمية الاستثمار في الخدمات الاجتماعية وترتيب الأولويات وتوظيف الموارد والتخطيط التشاركي والتكاملي بين المجتمع المدني والحكومات، على أمل حماية الفئات الهشة.

    وبالعودة إلى الخبراء الذين استضافتهم "أرض"، فأكدوا أن الجائحة كشفت عن تفاوت عالي وعدم مساواة في تقديم الخدمات الفريدة والنوعية للفئات الهشة، حيث أن هنالك أعداد كبيرة لم تحصل على حقها من تلك الخدمات.

    وخلص الخبراء إلى أن تكون المساعدات المقدمة للفئات ليس فقط في الأزمات، أو لمدة معينة، والتي تكون في أغلب الأحيان قصيرة المدى، وبالتالي فإن ذلك لا يضمن للناس الحماية بشكل مستمر وطويل الأمد.

    ولا خلاف على أن المطلوب، حالياً، نظام حماية اجتماعية للفئات جميعا، يضم ذوي الإعاقة والفقراء وصغار المزارعين والعاملين لحسابهم الخاص وعاملات المنازل، وما شابه ذلك. ونقصد بذلك قانون نظام وطني للحماية الاجتماعية، يكون شاملاً ولا يقتصر على المساعدات الإنسانية أو النقدية لفترات محددة وغير دائمة.

    ومطلوب أيضاً إعادة النظر في ركائز الحماية الاجتماعية في المنطقة؛ للوصول إلى نظام يجمع ما بين هو موجود حالياً في شبكات الآمان الاجتماعي وبين ما نطمح إليه للوصول إلى مفهوم الحماية الاجتماعية ومأسستها عبر قانون ونظام دائم.

    من هذا المنطلق، على الحكومات وبالتشارك مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص السعي لإطلاق قوانين شاملة وعادلة تضمن كرامة الناس وحقوق جميع الأفراد بدون تمييز، وقد يتحقق ذلك بدمج مجموعة من الأنظمة، وصولاً إلى نظام دائم ومستمر يحمي الأفراد، ليس فقط في الأزمات.

    وفي منطقة ملتهبة وتعيش أزمات ونزاعات مسلحة وحروب في كل من سوريا واليمن والسودان وفلسطين والعراق وليبيا، تزاد أهمية الاستجابة للاحتياجات الملحة والناشئة للسكان من أجل بناء الصمود ودعم جهود التعافي لدى الأسر المحرومة، ليس فقط عن طريق تقديم المساعدات، وإنما أيضاً بإيجاد قوانين وتشريعات تلزم تلك الدول بتقديم الحماية الاجتماعية لهؤلاء.

    أخيراً؛ يجب أن ننظر إلى منظومة الحماية الاجتماعية من منظور مختلف، غير ذلك السائد، في محاولة لسد الفجوات والثغرات التغلب عليها، فالحماية الاجتماعية نطاق كبير جداً، وتشمل على المساعدات والتأمينات والخدمات وسياسات سوق العمل، وهي اليوم بحاجة إلى استراتيجيات وأنظمة وقوانين ومؤسسات تمتلك إرادة التغيير.





    [15-05-2020 10:11 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع