الرئيسية
أحداث محلية
أحداث اليوم -
كتب فادي الهويدي - كبُر عبدالحي الذنيبات، أو "الطبسية" كما أصبح يُكنّى رسميا، وطال الغياب عن الوطن، واختلط بياض شعره بسواده، وها قد بلغ من العمر 45 عامًا، وانتقل من غزة إلى الضفة وتحديدا إلى مدينة قلقيلية، عندما قرر الزواج من ابنة رجل تعرف إليه في مدينته الجديدة، وبعد زواجه بعام واحد وفي سنة 1973 رزق عبدالحي بابنه وبكره، بل ووحيده من الذكور "محمد"، ومن يدري، فقد يكون هذا استجابة لدعاء قد دعاه عبدالحي ليلا "ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين"، فبعد عمر طويل قضاه وحيدا في الدنيا، ها هو الآن يودع وحدته، ويصبح لحياته طعما آخر، خاصة بعد أن رزق بابنة وحيدة من الإناث أيضا.
لم ينسَ بطل قصتنا قريته، ولكن رهبة كانت تغشاه عندما كان يفكر بالعودة إلى الوطن، فلا ذكرى طويلة يحملها في رأسه سوى طفولة قصيرة أنساه طول السنين جلُّها، وما من أحد يذكِّره بما مضى فلا أقرباء ولا رفاق الصبا، ولكن الوضع الآن تغير، فهناك زوجة تلح، وأبناء صغار كبروا قليلا وبدأوا يسألون عن الأعمام والأقرباء، كأقرانهم من الأطفال.
وأخيرا، رضخ عبدالحي لإلحاح زوجته وتمتمة أطفاله، وكأنه كان ينتظر فقط من يذكره بالعودة، فبدأ الحنينن يتسلل إلى قلبه، ورؤية الأهل تسيطر على عقله، ليقرر الذهاب إلى الأردن مع زوجته وطفليه.
وصلت العائلة إلى المعبر الفاصل بين الضفتين، وبعد إكمال إجراءات الدخول، وقف عبدالحي مذهولا أمام لافتة كتب عليها "إلى الأردن"، لم يصدق في البداية نفسه، وكأنه في نوم يتخلله حلم جميل، لتبدأ دقات قلبه بالخفقان، ويزداد أزيز أنفاسه، وتبدأ عيناه بسكب الدموع حتى كاد أن يغشى عليه، فبعد أن غادر طفلا ها هو الآن يعود وقد غزى الشيب رأسه، وما هي إلّا سويعات قليلة ويلتقي بأهله.
وقف عبدالحي مصدوما مرة أخرى، وهذه المرة أمام سؤال سائق سيارة الأجرة عندما سأله... إلى أين؟، لتنهمر دموعه ويجهش في بكائه، فقد مر قرابة الـ 40 عامًا على غيابه، تغيرت بها أحوال البشر، مات فيها من مات وعاش من عاش، ومن سيعرفه الآن؟، وهل أهله على قيد الحياة أم اموات تحت التراب؟، وقف عاجزا حينها عن الإجابة على سؤال السائق، فهو فعلا لا يعرف وجهته، لتتدخل هنا الزوجة محاولة تدارك الموقف، موجهة سؤالها إلى السائق، "بتعرف حدا من الذنيبات؟"، ذلك السؤال الذي لم ينساه ابنهما محمد إلى الآن، ويذكر إجابة السائق عليه، عندما أجاب بنعم.
فهو على معرفة بشخص يُدعى عبدالله الذنيبات ويسكن في شارع الإذاعة، في عمّان، تلك الإجابة كانت منقذة للموقف محددة للأتجاه في آن واحد.
أوصل السائق العائلة الى وجهتها، طرقوا الباب وخرج صاحب المنزل، اقترب عبدالله وعبد الحي من بعضهما، توسعت حدقات عيونهما، هناك شيء ما بدأ يحدث، يبدو أن عبد الحي عرف عبد الله، وعبد الله يشكك عقله بما تراه عيناه، فصديق طفولته وصباه مات في السيل.. أنا عبد الحي محمد فرهود، كانت كفيلة قبل أن يكملها بعناق طويل شعر بحرارته من كان حولهما، وقبل أن يكملا ليلتهم الأولى، وصل الخبر إلى مسامع أهل قريته في "جديّدة الكرك".. عبدالحي حي!.. عبد الحي حي!.. وسط ذهول من يتذكر الحادثة.. يا الله.. كيف لميت يقوم للحياة من جديد؟!، وما بين تشكيك وتصديق لقصة أقرب إلى حكايا العجائز، والأمهات لأطفالهنّ قبل النوم، يقرر الأهل والأقارب وعلى رأسهم أخ عبد الحي قطع الشك باليقين، والتوجه إلى عمان، بموكب ضم غالبية رجال القرية، وعند اللقاء الذي خيم عليه الشوق الممزوج بالدموع، لم يكفِ العناق ولا القبل، فهو بمثابة لقاء لم يفكر الأهل في أنه سيحصل يوما ما، ولم يرجعوا الى قريتهم الا وعبد الحي يرافقهم، لتعم الأفراح القرية ليالٍ طويلة، فعام 1979 كان عام لمّ شمل الإخوة، ولقاء كان يظنه الأهل مستحيلا.
ومنذ الزيارة الأولى بدأت المحاولات لاسترداد عبد الحي جنسيته وكنيته باءت جميعها بالفشل سوى شهادة ميلاد استطاع الحصول عليها في زيارته الأولى للكرك والتي تكررت تلك الزيارات لغاية العام 1989 عندما سلم بطل قصتنا الروح لبارئها في مدينة قلقيلية الفلسطينية، كان يمني نفسه قبل أن يغادر هذه الدنيا باسترداد جنسيته وكنيته، ولكن مشيئة الله كانت أقرب.
ترك عبد الحي وراءه عائلة مناضلة فابنه الوحيد محمد، تم اعتقاله 5 مرات من قبل قوات الإحتلال الصهيوني بتهم مناهضة الاحتلال كانت تهمة واحدة منها كفيلة بمنع الإحتلال له بمغادرة فلسطين إلى الأردن بعد وفاة والده، وليكمل أبناء محمد مسيرة النضال، فابنه "رغيد" اسير محرر، وأبنه الأصغر "أربكان" ما زال يقبع في سجول الاحتلال الصهيوني، ففلسطين هي بلادهم وقضيتهم كما هي قضية كل من هو غرب وشرق النهر.
وما زال محمد يمني النفس بأمنية ابية باستعادة حقه بجنسيته وكنيته..




الرجاء الانتظار ...