الرئيسية
أحداث دولية
أحداث اليوم - خرج الجزائريون للجمعة الحادية عشرة في مظاهرات سلمية مطالبة بالتغيير، في وقت ما زالت فيه الأزمة السياسية تراوح مكانها، فالسلطة يبدو وكأنها قررت التوقف عن تقديم التنازلات، والشارع يبدو أنه توقف عن رفع سقف المطالب، وبين منطق الأمر الواقع وسياسة “السامط يغلب القبيح” يظهر وكأن السلطة تتجه إلى تحقيق أول نقطة منذ أشهر طويلة.
يمكن القول دون إسفاف إن مظاهرات الجمعة الأخيرة كانت أقل من سابقاتها، وأن هناك توجها يوحي بأن الحراك يتلاشى شيئا فشيئا، وهو أمر كان متوقعا نوعا ما، لعدة اعتبارات، أهمها طول المدة التي استغرقها الحراك، وهو العامل الأساسي، بالإضافة إلى عوامل أخرى جعلت الكثير من المتظاهرين يعودون إلى بيوتهم، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مآلات هذا الحراك.
ورغم استجابة الجزائريين إلى دعوات التظاهر مرة أخرى، إلا أن الحضور هذه المرة اقتصر بالدرجة الأولى على النواة الصلبة للحراك، والذين يمكن أن نصفهم بالمناضلين أو أولئك الذين كانوا وما زالوا يؤمنون أنها فرصة للتغيير الحقيقي والشامل، في حين أن فئات أخرى من المتظاهرين تساقطت على مر الأيام والأسابيع، ويمكن القول إن بداية تراجع عدد المتظاهرين كان منذ ثلاثة أسابيع عندما وقعت صدامات، وتم استخدام القوة من طرف أفراد مكافحة الشغب، وإطلاق الغازات المسيلة للدموع على مستوى النفق الجامعي، وهي المسألة التي نفتها مديرية الأمن رغم الشهادات والفيديوهات التي تبين العكس، فضلا عن الاتهامات التي أطلقتها بعض الناشطات بخصوص تعريتهن داخل مركز للشرطة، الأمر الذي دفع فئات من المتظاهرين إلى تفضيل البقاء في بيوتهم ومتابعة التطورات من بعيد، كما أن القرارات التي تم اتخاذها بفتح ملفات الفساد، جعلت أيضا فئات أخرى تطمئن لمجرى الأمور، فضلا عن فئات عريضة اعتبرت أن إسقاط الولاية الخامسة ودفع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة هو إنجاز كبير، خاصة وأن المطلب الرئيسي الذي أخرج الجزائريين إلى الشارع في 22 شباط/فبراير الماضي في أول مظاهرة تاريخية كان هو إسقاط الولاية الخامسة، كما أن الطوق الأمني المضروب على مداخل العاصمة كل يوم جمعة، دفع الكثيرين إلى التخلي عن فكرة القدوم من أجل التظاهر فيها، بما دفع إلى تقليص المتظاهرين بشكل لافت.
تراجع عدد المتظاهرين مرشح لأن يتواصل أكثر خلال شهر رمضان، فالتظاهر خلال النهار فيه مشقة لن يقدر عليها الجميع، كما أن التظاهر في الليل وإن كان هو الخيار المنطقي إلا أنه لن يحقق الإجماع، لأن الليل قصير، وهناك من يفضل الذهاب إلى أداء صلاة التراويح، فضلا عن الملل الذي بدأ يصيب المتظاهرين بسبب الانسداد الحاصل، فالسلطة أو المؤسسة العسكرية على وجه التحديد لا تريد الذهاب إلى حلول غير الدستور، وهي تطلب من الجزائريين الوثوق بها، وترك الأمور تحل بطريقة دستورية، ورغم الرفض المتكرر لقطاع واسع من المتظاهرين لهذا الحل، بسبب رفضهم الوجوه التي تسير المرحلة الحالية، وفي مقدمتهم الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، إلا أن الجيش لا يبدو راغبا في “المغامرة” بحلول أخرى، أما المعارضة فصوتها يخفت يوما بعد آخر، وحتى الاجتماعات التي تعود جزء منها على القيام بها بشكل أسبوعي توقفت، لأنها (أي المعارضة) لم تنجح في توحيد صفوفها، بل إن المشاركين في هذه الاجتماعات تراجع بشكل واضح من أسبوع للآخر، فضلا عن أن دور هذه المعارضة بقي مقتصرا على الانضمام إلى حوار الطرشان من خلال إصدار بيانات وتصريحات، فلا هي تقبل التحاور مع السلطة، ولا هي تستطيع محاورة الحراك أو الحديث باسمه.
الأيام المقبلة تبدو غامضة فالسلطة وإن نجحت في التقليص من ضغط المظاهرات، إلا أنها لم تحد من شدة الاحتقان، والإصرار على الذهاب إلى انتخابات رئاسية في الرابع من تموز/يوليو المقبل مغامرة محفوفة بالمخاطر، أولا لأنه لا يوجد إلى حد الآن مرشحين جديين، ثانيا من غير الممكن القيام بحملة انتخابية في ظل الرفض الشعبي لإجراء اقتراع في ظل الظروف القائمة، والإصرار على ذلك قد يفسر على أنه استفزاز للشارع، فضلا عن احتمالات التمرد لكل من يمكنهم الإشراف على الانتخابات، مثل القضاة، ورؤساء البلديات، والذين قد يرفضون القيام بهذا الدور، دون أن نغفل المخاطرة الكبرى، وهي محاولة الالتفاف على المطالب الشعبية وتنظيم انتخابات شكلية يتم من خلالها فرض رئيس مرفوض شعبيا، لأن الانفجار حينئذ سيكون كبيرا مدويا.
المتابعات القضائية التي تم الشروع فيها منذ أيام كان لها الأثر الإيجابي في الشارع الجزائري، لكن إذا ما اقتصر الأمر على استدعاء المسؤولين الكبار ورجال الأعمال النافذين من أجل الاستماع إليهم ثم السماح لهم بالمغادرة، فهذا سيكون له الأثر على السلبي على الشارع الجزائري، الذي سبق أن رأى وزراء ومسؤولين كبار يستدعون من طرف القضاء، ثم يغادرون دون أن توجه إليهم أي تهمة، ودون أن يحاسبوا أو يعاقبوا مثلما وقع في محاكمة قضية الخلفية الأولى، التي وصل فيها الأمر ببعض المسؤولين إلى الاعتراف بأنهم زوروا في محررات رسمية، وآخرون بأخذ رشاوى، لكنهم بقوا مجرد شهود في قضية وصفت بفضيحة القرن، فإذا تكرر المشهد فإن الانعكاسات قد تكون وخيمة.
الأكيد أن المأزق مستمر، وأن الأزمة ما زالت قائمة، وحتى لو كان وهج الشارع قد خفت مؤقتا، فقد تكون استراحة محارب فقط، لأن هناك شعورا لدى معظم الجزائريين أن المطالب لم تتحقق بعد، وبما أن النظام تعود التعامل بلا ذكاء، فإنه غالبا سيعود إلى الممارسات نفسها تدريجيا، وسيغامر مرة أخرى باستفزاز الشعب، فسلطة بوتفليقة وعائلته اعتقدت لسنوات أنها تستطيع أن تفعل الأفاعيل بالشعب، خاصة بعد أن داست على كرامة الجزائريين بكرسي متحرك من أجل المرور إلى ولاية رابعة، ولكنها دفعت الثمن لاحقا، وخرجت بل أخرجت من الباب الضيق، وكانت السبب في أزمة سياسية أدخلت البلاد في نفق مظلم لم تجد المخرج منه.




الرجاء الانتظار ...