الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    الحقوق الاقتصادية ليست ترفا

    طالما كانت ثقافة الحقوق الاقتصادية مسألة غائبة عن الذهن الرسمي والشعبي. بيد أن تخصيص التقرير السنوي للمركز الوطني لحقوق الإنسان فصلاً مستقلاً يتناول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إنما يسلط الضوء بشكل موسع على الانتهاكات التي تقع في هذا الجانب.
    وإذ ما تزال ثقافة الحقوق الاقتصادية غائبة عن وعي المواطن بشكل عام، فإن الأمر يتطلب جهدا إعلاميا، ربما، لتكريس الفكرة والتثقيف بها من ناحية؛ كما التركيز على الاختلالات التي تعتري هذه القضية، من ناحية أخرى.
    في التقرير الأخير للمركز شرحٌ موسعٌ لتلك الحقوق، والسياسات الحكومية المعتمدة في هذا الجانب؛ لا سيما تحقيق نسب النمو من دون الاهتمام بالتنمية الحقيقية والإنتاجية والالتزام بمتطلبات العدالة الاجتماعية.
    يتجلى أبرز الحقوق الاقتصادية في الالتزامات المترتبة على دافعي الضرائب، وهي مرتفعة جدا في الأردن، تفوق النسب العالمية. حيث يقدم الفرد جزءا كبيرا من دخله على شكل ضرائب مباشرة، كضريبة الدخل؛ وكذلك ضرائب غير مباشرة، مثل ضريبة المبيعات ذات النسبة المرتفعة؛ إلى جانب أشكال وأسماء مختلفة لضرائب ورسوم أخرى.
    اليوم، تقدر الإيرادات المحلية بقرابة 7.342 مليار دينار، تشكل ما نسبته حوالي 90 % من إجمالي الإيرادات العامة المقدرة بمبلغ 8.119 مليار دينار. ويتوزع بند الإيرادات المحلية على إيرادات ضريبية وأخرى غير ضريبية، هي في النهاية أموال يدفعها كل من المستهلك والمستثمر لخزينة الدولة لإنفاقها.
    هنا يبرز، طبعاً، أنه في مقابل هذه الأموال المسددة، ثمة حقوق مستحقة للمواطنين، أهمها إمكانية مساءلة الحكومات عن أوجه الإنفاق، بحيث يصب فعلا في تحقيق رفاهِ المجتمع، أو أقله الارتقاء بمستوى معيشته إلى درجة لائقة.
    بناء على ما سبق، يبدو الحق الآخر في توفير الخدمات الأساسية بشكل لائق، لا سيما لفئات الدخل المتوسط وما دونها. وهي تشمل الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية والنقل العام. وتقدير مدى وفاء الحكومات بهذا الحق، تظهر في الإجابة المعروفة عن سؤال: كم أردنياً لا يقبل اليوم بمستوى الخدمات المقدمة من الحكومة، فينأى بنفسه عن التعليم الحكومي والطبابة في المستشفيات الحكومية؟ إضافة إلى عدم قبوله بخدمات النقل العام المزرية. ومن ثم، يفضل جزء من أصحاب الدخول المتوسطة تحمل الكلف، ليحصل على خدمات من القطاع الخاص بمستوى يضمن له حقوقه الإنسانية.
    أما أصحاب الدخول المحدودة، فهم يستفيدون من الخدمات الحكومية لضعف قدرتهم على تغطية كلفها في القطاع الخاص، ومن دون أن يخفي ذلك حجم عدم الرضا عن مستوى تلك الخدمات الذي يتقهقر يوما بعد آخر.
    وفي ما يتعلق بالفقراء، وهؤلاء من يفتقرون عموماً للمعرفة والوعي بحقوقهم الاقتصادية الاجتماعية، فليس لهم إلا الدعاء، إزاء الإهمال اللامتناهي الواقع عليهم! فكل الخطط والاستراتيجيات لمكافحة فقرهم، ما تزال حبرا على ورق. ويؤكد تقرير "الوطني لحقوق الإنسان" أن الجهود التي تبذلها الحكومة لمكافحة الفقر لم تنجح؛ فأعداد الفقراء في تزايد، ونسب الفقر تراوح مكانها، كون الخطط والبرامج التي تسعى الحكومة إلى تنفيذها بقيت مجرد وثائق، بسبب عدم تخصيص ميزانيات لتنفيذها.
    اليوم، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، تتعاظم أهمية الحقوق الاقتصادية. إذ تؤدي الظروف الضاغطة على المواطن إلى إيمان بانتقاص حقوقه تلك. ويدعم هذا الشعور عجز الحكومات عن تحسين الظروف المعيشية وتخفيض معدلات الفقر والبطالة.
    وإذا كانت القناعة أن الحقوق السياسية والحريات ترف فائض عن الحاجة، في ظل ما يجري حولنا من حروب؛ فإن الواقع ذاته يؤكد أن الحقوق الاقتصادية محورية، وعدم إدراك مخاطر عدم الالتزام بها هو خطيئة لا تغتفر.





    [18-12-2016 08:41 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع