الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    فتوى لن تحمي النساء من القتل

    بالتزامن مع حملة نسوية ضد جرائم قتل النساء بداعي حماية الشرف، أصدرت المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة بدائرة الإفتاء العام، فتوى "تقدمية" تدعم الحملة، حرّمت بموجبها قتل الشخص لقريبته بدعوى حماية الشرف، واعتبرت هذا الفعل خارج نطاق القانون، فعلا محرما شرعا، وجريمة يجب أن يحاسب القاتل عليها، وألا تكون القرابة أو الشك عذرا مخففا له.
    حملة الـ"16 يوما" أطلقت عريضة وطنية عنوانها: "أوقفوا جرائم قتل النساء والفتيات"، تضمنت المطالبة بتعديلات تشريعية، لتغليظ العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم التي سجلت تزايدا في الآونة الأخيرة.
    الفتوى على أهميتها، إلا أنه من غير المرجح أبدا أن يكون لها أي تأثير في الحد من هذه الجرائم، وكذلك حملة الـ"16 يوما" وغيرها من حملات التوعية. وحتى في حال تعديل مواد بقانون العقوبات، لتغليظ العقوبات، فإنها لن تترك صدى في الأوساط الاجتماعية التي تقع فيها مثل هذه الجرائم.
    محرك الرجال لارتكاب مثل هذه الجرائم، ليس دينيا في معظم الأحوال، بل اجتماعي، يتصل بثقافة ضاربة في الجذور. فما يدفع الرجال لفعل مجرم كهذا هو في الغالب ما يرى أنه دفاع مشروع عن سمعة العائلة وشرفها، في مجتمع يضع مثل هذه المفاهيم في مرتبة مقدسة. ويعتبر سلوك المرأة، لا الرجل طبعا، المعيار الأهم في هذا الميدان. وعليه وحده "الرجل" تقع مهمة الدفاع عن سمعة العائلة وشرفها، وله في كل الحالات ان يضع التكييف المناسب لهذا الدور الذي يرتقي إلى مستوى الواجب.
    الأرجح أن مرتكبي هذه الجرائم، يتحاشون عند التفكير بارتكابها الجانب الديني، كي لا يضطروا لمواجهة أسئلة تتصل بجدلية قتل النفس البشرية، ومدى أحقية ذلك من وجهة نظر الدين. فالذي يطغى على تفكيره هو الجانب الاجتماعي؛ نظرة الأقارب والجيران، وحزمة المفاهيم الثقافية السائدة عن البطولة في غسل العار، وواجب الدفاع عن الشرف، وسواها من قيم ارتبطت بهيمنة الرجل على المرأة، وحقه المطلق في تقرير مصيرها، لا بل وحياتها.
    حملات التوعية التي تنظمها الجمعيات النسائية، والمواقف التي يتبناها المشرّعون لإنصاف المرأة، لا يمكنها أن تجتث هذه الثقافة بسهولة من مجتمعاتنا العربية. في الواقع، المتورطون في ارتكاب هذه الجرائم، لم يتعرضوا من قبل لهذه الحملات، وإن حدث وأن اطلعوا على محتواها، وتفهموا دوافعها، فإنهم سيتجاهلونها عند أول اختبار شخصي.
    إن هذا النوع من القناعات والمفاهيم الراسخة، عصي على التغيير بالسرعة التي نريدها. وهي عملية طويلة وشاقة، تأخذ زمنا طويلا، ولن يتحقق الردع الكامل عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، إلا بتغيير ثقافي عميق يحرر إرادة المجتمعات من قيود الماضي، وفي القلب من هذه العملية تحرير النساء.
    إن عديد المجتمعات التي سبقتنا أشواطا في التغيير والتقدم، ماتزال النساء فيها تعاني من تغول على حقوقهن، وجرائم قتل كالتي تقع في مجتمعاتنا.
    قبل أن تضع الحملة المناهضة لقتل النساء أوزارها، ومن بعدها أيضا، ستسقط نساء كثر على الطريق؛ ضحايا لعنف يرتكب باسم الشرف.





    [04-12-2016 12:51 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع