الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    أحمد منصور وبؤس العقل العربي

    توقيف الإعلامي في قناة الجزيرة أحمد منصور، من قبل السلطات الألمانية، كان عملا مرفوضا بمنظار الحريات وحقوق الإنسان، خاصة أن منصور صحفي، لا تجوز معاقبته على آرائه ومواقفه، ولم يرتكب جرما، والاتهامات الموجهة بحقه في مصر مفبركة، بشهادة قانونيين ومنظمات حقوقية دولية.
    لكن، كان متوقعا منذ بداية القصة في مطار برلين، أن القضاء الألماني العريق لن يخضع أبدا للاعتبارات السياسية إن وجدت في قضية منصور. وهذا ما كان بالفعل؛ إذ أمر النائب العام بإطلاق سراحه أول من أمس، من دون قيد أو شرط. ونفذت الشرطة الألمانية القرار على الفور، فخرج منصور إلى الشارع يهتف وسط حشد من المناصرين.
    ما يستحق التأمل في قضية منصور، هو الجدل الذي دار حولها في عالمنا العربي، والذي افتتحه منصور شخصيا بتعليقات على "فيسبوك"، وصف فيها ألمانيا بجمهورية الموز. ثم راح المعلقون العرب بعد ذلك في حملة هستيرية ضد ألمانيا، ظنا منهم أن قضاء ألمانيا وجهاز التحقيق فيها على شاكلة الأجهزة القضائية في مصر وسواها من "بلاد العرب أوطاني".
    صحفي مصري من أشد المعارضين للنظام السياسي، كتب مقالا "تثقيفيا" في صحيفة "العربي الجديد"، موجها للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يذكّرها فيه بأسماء الفلاسفة والمفكرين الألمان، ومساهماتهم التاريخية في حقول المعرفة والتنوير، والدفاع عن الحريات. وحذر في مقاله من أن صفقة السيسي-ميركل بعد زيارة الأول لبرلين قبل مدة، قد تكون السبب وراء توقيف أحمد منصور، وتسليمه لاحقا لمصر!
    هذا المقال، ومثله الكثير من التعليقات التي أشعلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريحاته الثورية، مثال حي على بؤس العقل العربي، الذي يتوهم أن دولا كبرى بحجم ألمانيا تدار مثل دول عالمنا العربي؛ حيث يخضع القضاء لحكم السلطان، ويحكم بما يشاء، كما الحال في مصر حاليا. تُرى، لو كان منصور يعمل في جريدة "زمان" التركية، ماذا سيكون مصيره تحت حكم أردوغان؟
    بعد فترة وجيزة على توقيف أحمد منصور، صرح متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية بأن بلاده "بعيدة جدا" عن اتخاذ قرار تسليم منصور استجابة لطلب مصري. وحتى لو كانت هذه رغبة الحكومة، فإنها لن تستطيع الإقدام عليها من دون صدور حكم قضائي، بدا مستحيلا.
    وألمانيا "ذاتها" كانت من أوائل الدول التي سجلت تحفظها على الإجراءات القضائية المصرية، وأكدت رفضها لعقوبة الإعدام بحق المعارضين السياسيين؛ فكيف لها أن تخالف قناعتها، وتسلم شخصا كان حكم الإعدام في انتظاره؟
    وباستثناء مراسل "الجزيرة" في برلين عيسى الطيبي، لم يرغب أحد من أنصار منصور بالالتفات إلى أن ما حصل مع صحفي الحزيرة، لم يكن مؤامرة، وإنما إجراء يتماشى مع القانون. وفي اللحظة التي وصل فيها منصور إلى النيابة العامة، أفرج عنه كما كان متوقعا.
    وفي الأيام القليلة التي قضاها منصور في مركز التوقيف، كانت حملة التضامن معه في ألمانيا تفوق ما ناله من تعاطف في العالم العربي. جميع الأحزاب السياسية، وكبريات الصحف الألمانية، دانت بشدة قرار توقيفه، وطالبت بسرعة الإفراج عنه. ولولا عطلة نهاية الأسبوع، لكان منصور "حرا طليقا" قبل يوم الإثنين؛ أي في أول يوم عمل بعد العطلة.
    يا معشر العرب! لا تذهب بكم الظنون بعيدا؛ العالم الآخر ليس مثلنا أبدا، ونحن آخر من يحق له إعطاء القضاء الألماني دروسا في العدالة.





    [24-06-2015 12:32 PM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع