الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    لا تفزعوا من هذه الصيحة!

    "انظروا ماذا فعل بنا الربيع العربي! لقد حوّل المجتمعات إلى أشلاء، ونشر الدماء والرعب والحروب الداخلية والتمزّق! هذا ليس ربيعاً بل خريف دموي طائفي، أنبت الكراهية والدمار بدلاً من الديمقراطية والتعددية. نحن لسنا مؤهلين بعد للدخول لهذه اللعبة السياسية والألعاب الدولية التي تتوارى وراءها"!
    لا تفزعوا من هذه الصيحة، ولا تدعوها تخيفكم؛ فهي قراءة مغلوطة وخاطئة تماماً لما وقع خلال الأعوام الأخيرة في العالم العربي.
    لو تأملنا فيما حدث في العراق وسورية، فلم يكن الصراع الداخلي الأهلي الذي انفجر هناك ناجما عن الثورة السلمية المطالبة بالتغيير الديمقراطي والعدالة ومكافحة الفساد، بل على النقيض من ذلك؛ هو نتاج لقمع هذه الحركات التحررية الشعبية ومصادرة مطالبها، باستخدام السلاح وسفك الدماء ونشر الأشلاء. وقد صمد المتظاهرون السلميون أشهراً عديدة تحت ضغط غير إنساني؛ من الاعتقال والقتل والتعذيب والإهانة، قبل أن تتحول الشرارة إلى بركان غضب، ثم صراع أهلي داخلي، عملت الأنظمة ما في وسعها لتوليده وخلقه، بوصفه "حبل النجاة" لبقائها على الكراسي، والحفاظ على مصالحها ونفوذها.
    ولو نظرنا إلى كل من اليمن ومصر، فإنّ ما حدث هو نتيجة للانقلاب على الثورة السلمية والديمقراطية، وتحريف لمسارها، عبر التدخلات الإقليمية والخارجية، والمؤسسات العسكرية؛ أي هو ناتج عن "الثورة المضادة" لا عن الثورة. ولو أنّ قطار الديمقراطية استمر في مسيرته، ولن تكون بالضرورة سلسة ومتسلسلة وهادئة، فإنّ النتيجة لن تصل إلى ما آلت إليه الأمور الآن.
    حتى ليبيا، التي ربما تمثل النموذج الأبرز على تلك الصيحة المعادية للديمقراطية، فإنّ قراءتها لا تأتي عبر نتائج الديمقراطية و"الربيع العربي"، بل أيضاً من مقاومة الثورة السلمية في البداية، وتحويلها إلى عسكرية، ثم التدخل الدولي والإقليمي، أولاً، ومن خلال، ثانياً، حالة التدمير الكامل التي مارسها نظام القذافي سابقاً في حق الليبيين، حتى إنه لم يكن لديهم أي تقاليد سياسية أو حزبية أو دستورية عندما نجحوا في خلع الزعيم السابق.
    على النقيض من ذلك تماماً، تتمثل الحالتان التونسية والمغاربية. ففي الأولى، نجحت الثورة السلمية، وفشلت الثورة المضادة، وسار قطار الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة. ووجدنا أنّ الأمور أفضل بكثير من الحالة المصرية.
    أما في المغرب، فنجح الملك هناك في نقل التجربة نحو تداول السلطة والتعددية، وخلق مدى أفضل للمشاركة السياسية؛ عبر إصلاحات هيكلية وجوهرية. وهي تجربة تشق طريقها نحو تكريس نمط ديمقراطي تعددي، بالرغم من بقاء جزء كبير من السلطة، بصورة غير مباشرة، في يد "المخزن". فالمغرب تجاوزت عنق الزجاجة، ونجحت في تجنب ويلات أصابت الدول العربية الأخرى.
    من السذاجة القول إنّ تونس والمغرب دولتان وصلتا إلى الضفة الأخرى، وأصبحتا ديمقراطيتين؛ فهناك مسافة كبيرة طويلة متبقية أمامهما، وهناك محطات لا تقل صعوبة، ومنعطفات أخرى في الطريق، لكنهما نجحتا في الإقلاع من الشاطئ الذي يواجه الزلازل والأعاصير والرياح العاتية التي تطيح بالأنظمة والمجتمعات على السواء.
    إذن، على النقيض تماماً من تلك الصيحة-الادعاء، فإنّ الأنظمة التي نجحت في المحطة الانتقالية الأولى هي التي تجنبت ما واجهته الدول الفاشلة الحالية، وهي التي جنّبت نفسها وشعبها كوارث كبرى. ولو كان هناك انتقال أولي نحو الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، وإزالة عوامل التهميش والإقصاء، لما شهدنا ما شهدناه من بؤس ومآس في العالم العربي اليوم.
    ليس مصادفةً أنّنا وجدنا في الحالتين التونسية والمغاربية إدماجاً لحركات الإسلام المعتدل، وإشراكاً لها في تولي زمام الأمور، بينما أصبحت التنظيمات الراديكالية، مثل "قاعدة" المغرب و"أنصار الشريعة" هامشية؛ إذ واجهت تياراً إسلامياً آخر نزع الشرعية عنها!





    [08-04-2015 08:31 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع