الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    الرمثا أرجوحة الدنيا

    كلما زادت بشاعة الدنيا، أهربُ إلى الأصل، إلى مدينتي الحورانية النائمة على كتف الجنوب السوري والوحيدة مثل شامة في الشمال الأردني، هناك تعلمتُ المشي ونمت رضيعًا في حوض شجرة. هناك تعلمت" في الفرح قل مبروك" وبينما تمشي مع الرجال في طابور المعزيين قل "العوض بسلامتكم وسيرد عليك رجل حزين الله يسلم عوضك" ثم اصمت ولا تزد حرفًا على هذا، إياك أن تجادل رجلًا محزونًا. تعلمتُ هناك أن العروس تخرجُ من بيت خالها. تلبسُ عباءةً شقراء ويقودها الخال حتى باب البيت، كذلك أن العرس سبع ليال ثم أصبح ثلاثًا ثم ليلة وربما تُحذفُ دُخلتها بعد زمن.

    في الرمثا، عرفتُ أن الماء وصل متأخرًا، المواسير جاءت مطلع الستينيات من وادي الكيال، الكهرباء تزامنًا مع انقلاب عبد الكريم قاسم، الطريق مع الثورة الإسلامية. كان البريد أول الواصلين لأن أكثر شباب الحي يعملون في ألمانيا وسيعودون بالبشكير الألماني. في الرمثا، عرفتُ أن حرب الجندلية (الرماثة وسبع قبائل بدوية 1921) كانت لأن عودة الله استعجل على دق حوافر حصانه فذبّحَ رجلين، ثم فازوا وقالوا" هاظا ظني يوم حرب الجندلية/ فزعت الفرسان وعيال الحمايل/ سيدي يا ابو ناصر يا راعي الحمية/ تآمر ع الجيوش وتآمر ع الكتايب"، هناك في وطني الحوراني ملأت جداتي ورفيقاتها دلاء الفجر من بئر المحاسي، بئر تدفق وحده وهبطت الحكومة لترعى افتتاحه بعد النكبة بعام. ما أكثر الرعاية!

    في الرمثا، تلك المدينة التي يحاولون اختصارها بكرة القدم والدبكة والتهريب، هناك حيث أقيمت أصغر جمهورية في الكون أثناء إعلان حلف بغداد، كانوا رهطًا قليلًا ورجلان، الهرُ الهربيد وأبو ناصوح الخزعلي، نقلا الصورة للعالم، كانا شيوعيان ملائكيان لا يفهمان القيمة والاستهلاك والجهد والنصيب والفرد، يفهمان فقط أن الكون كله لأصحابه جميعًا، مثل مدينتي التي عرفتُ من "خط شامها" كل جنسيات الدنيا بينما يمضون إلى شرق أوروبا برًا. هناك تمايل الكون في عيني أرجوحتي. هناك أجلسُ وحيدًا وأحدد بدقة مكان القبر في مقبرة العشيرة.





    [16-04-2018 10:10 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع
عاجل