الرئيسية مقالات واراء

شارك من خلال الواتس اب
    "أضخم سرقة كهرباء"!

    "ضبطت شركة الكهرباء الأردنية وهيئة تنظيم الطاقة والمعادن وقوة أمنية من رجال الأمن العام والدرك، أضخم سرقة كهرباء في تاريخ المملكة في منطقة الحلابات شرق العاصمة عمان، باستخدام تمديدات بلغت كلفتها حوالي 300 ألف دينار.
    "وقال مصدر في الشركة لوكالة الانباء الأردنية (بترا)، الثلاثاء، إن الكشف الفني اظهر ان السرقة تمت من خلال تركيب كوابل ضغط عالي لمسافة ثلاثة كيلو مترات بصورة غير قانونية دون الحصول على موافقة شركة الكهرباء الأردنية".
    جميل أن يتم اكتشاف هذه السرقة الكبيرة لشركة الكهرباء، من قبل صاحب مصنع ومزرعة، في تلك المنطقة، تمتد إلى مساحة 1000 دونم تقريباً، لكن السؤال الأكثر أهمية: منذ متى وهذه السرقة تتم أولاً؟ وثانياً كيف جرى ذلك في وضح النهار بهذه الصورة العلنية والسافرة من دون أي قلق أو خشية من محاسبة قانونية وقضائية وعقوبات شديدة؟!
    ثمّة، بالضرورة، خلفية للموضوع من المهم أن نفهمها هنا - لما أطلقت عليه شركة الكهرباء الأردنية مصطلح "أضخم" سرقة كهرباء- ذلك أنّ هذه السرقة ليست يتيمة أو خارج الإطار العام، بل هي جزء من سياق أكبر وأضخم، يتم من خلاله سرقة الكهرباء والماء من قبل شرائح اجتماعية تعتقد أنّها خارج إطار القانون والمساءلة، وأنّها تملك حقّ التنمّر على الدولة، أو متنفذين من تلك الشرائح يعتقدون أنّ الدولة ستغمض عينيها عن تلك السرقات أو البلطجة على المال العام وعلى حقوق البلاد والعباد!
    لذلك ليس دقيقاً مصطلح "أضخم" سرقة كهرباء، ففي المجمل وبصورة كليّة، لو جمعنا المناطق والشرائح التي تقوم بسرقة الكهرباء، وتعتقد بأنّ ذلك "حقوق مكتسبة" سنجد أنّها تستحق المصطلح أكثر بأنّها أضخم سرقة كهرباء، وربما ماء وخدمات!
    تذكرون أحد النافذين الذي كان يقوم بسرقة المياه تحت منزله، مستخدماً آلات ضخمة، ولمّا اكتشف الأمر قام بمقاومة المسؤولين، واحتاج الأمر إلى قرار على مستوى عالٍ لاعتقاله ومحاكمته، أو سرقة المياه في وادي الأردن، أو في مناطق مختلفة؟!
    بمعنى هنالك سياق سياسي- اجتماعي- ثقافي لمثل هذه "الجرائم"، كانت تتم سابقاً عبر عملية "شرعنة" واقعية، بأن تغمض الدولة عينيها عنها، وما تزال حتى الآن مناطق كاملة تعتقد أنّها غير مطالبة بالاشتراك بالكهرباء أو أنّه يحلّ لها سرقة الخدمات!
    هذه مشكلة كبيرة لا يجوز استمرار السكوت عليها، ومن المفترض أن يتم إنهاء هذه القصة، بل بتعبير أدق، الثقافة، بصورة جذرية ليس فقط لأسباب اقتصادية مرتبطة بالموارد، بل لأسباب أكثر أهمية من وجهة نظري، ذات أبعاد سياسية ورمزية، تدخل في صميم مفهوم المواطنة والعلاقة مع الدولة، وقيم سيادة القانون والعدالة والمساواة أمام القانون..الخ.
    مثل هذه الثقافة، للأسف، ليست مرتبطة بشريحة دون الأخرى، فالمتهربون ضريبياً يرتكبون جريمة السرقة من الدولة، ولا يشعرون بأنّ هذا أمر مخجل وعيب ومخالف للقانون، وأنّهم تماماً مثل اللصوص، الذين يسطون على أموال الغير أو المال العام!
    الطريف في الأمر أنّ الجميع لديهم تبرير لما يقوم به، من يتهرب ضريبياً، أو من يسرق الخدمات، ومن يستقوي على القانون، فالكل يعتقدون أنّهم محقّون ويطبقون العدالة المفقودة! لكن في الحقيقة المسألة مرتبطة بأزمة أعمق بثقافة المواطنة وبمفهوم العلاقة مع الدولة على هذا الأساس، وبالإيمان بمبدأ سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، وبإدراك الأبعاد الأخلاقية والقانونية والسياسية والثقافية والمجتمعية لعلاقة الأفراد بدولتهم، مثل هذا "العقد الاجتماعي" ما يزال هشّاً لديناً!





    [04-10-2017 09:23 AM]
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع