الرئيسية مقالات واراء

    "مفهوم الدولة" لدى الأردنيين!

    بمجرد أن تمّ تداول بيان منشور لإحدى العشائر بدعوى التحذير من التعرض لوزير (نفت العشيرة لاحقاً أي علم لها به) انفجرت مرّة أخرى نقاشات وسجالات بين الأردنيين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عن العشيرة والعشائرية، من يؤيد ومن يعارض، وهكذا!
    كالعادة غرقنا في نقاشات وحوارات داخلية يفترض أنّنا تجاوزناها منذ عقود طويلة جميعاً تتعلّق بمفهوم الدولة نفسه، هل هي دولة تقوم على أسس مدنية دستورية قانونية، وتستمد الحكومات شرعيتها من العملية السياسية أم أنّنا بدلاً من أن نتقدم للأمام، أي ترسيخ منظومة مفاهيم الدولة والمواطنة وحكم القانون على حساب الانتماءات الأوّلية، نعود نتقهقهر بصورة مرعبة إلى وراء!
    من يرصد النقاش العام لن يعجز أن يلتقط مؤشرات مقلقة عن حالة تدهور وتراجع، وليس العكس، بالرغم من أنّ المفترض – نظرياً على الأقل- أنّ الاستقرار السياسي الأردني، مقارنةً بما يحدث في المنطقة، وتجاوز الأردن تاريخياً محطات مفصلية تاريخية وجودية، كل ذلك يعمل على تطوير 'الثقافة السياسية' والقيم الرئيسة التي تحكم علاقة جميع أطراف المعادلة السياسية ببعضهم؛ الحكومة بالمواطنين بالمؤسسات العامة، لكن ما يحدث العكس، ما يطرح السؤال الجوهري المسكوت عنه: لماذا نتراجع بدلاً من أن نتقدّم على صعيد هذه الثقافة والعلاقة والقيم؟!
    حسناً، قد يقول البعض بأنّ مثل هذه النتيجة المقلقة (تشويش مفهوم الدولة لدى الأردنيين) لا يجوز أن تبنى على حدث واحد، مثل هذا البيان المزعوم وما نُشر حوله من تعليقات ونقاشات، فهل هنالك دلالات ومؤشرات أخرى؟
    الجواب، للأسف، أنّ المؤشرات جميعاً تسير في الاتجاه نفسه، من هتافات الملاعب التي تستبطن هويات سياسية فرعية، تقع جميعاً على أكتاف علاقة المواطن بالدولة، وصولاً إلى العنف الاجتماعي والجماعي، والنقاشات الدائمة عن علاقة المواطنين بالدولة وامتحانات الولاء والانتماء، نمو الهويات الفرعية..الخ.
    على صعيد اللغة يمكن التقاط هذه النزعة – ضمور مفهوم الدولة الحديثة- بصورة أكثر وضوحاً، من الطبيعي أن تظهر تيارات يمينية أو فئوية وجهوية في أي بلد في العالم، حتى في أوروبا والغرب، لكن عندما يصبح الشعور بتلك 'الهويات الفرعية' لدى شرائح اجتماعية أكبر من الشعور بالالتزام بحكم القانون، فإنّ القلق من الضروري أن يتحول إلى هاجس حقيقي.
    كنتُ أقرأ قبل أيام رسالة غاضبة من أحد المواطنين إلى المسؤولين في البلاد، وهي رسالة منطقية، يمكن أن نفهم من خلالها خطاب معارضة، مثلما كانت الحال تاريخياً مع شخصية مثل ليث شبيلات، لكن لغة الرسالة مختلفة، بل مرعبة، تفضح حجم الشكّ أو الغموض المتنامي لدى شريحة اجتماعية واسعة، فهي تخلط بين الأبعاد الاجتماعية بالاقتصادية بالسياسية، بالأزمة المركّبة بين العاصمة والمحافظات، باللغة العنصرية، باتهامات خطيرة مخجلة!
    هنا، يا سادة، بيت القصيد، في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، وتبدّل دور الدولة، من المفترض أن تكون السياسات الرسمية نبراساً للجميع، يضيء لهم الطريق، والحكومة قائد للمجتمع، لكن أن تكون هذه السياسات جزءاً من المشكلة والحكومة تائهة، فهذه مصيبة عظيمة!
    قارنوا بين لغة المعارضة، مثل ليث شبيلات والإسلاميين والقوميين سابقاً، وبين لغة المعارضة الجديدة الشعبية، ستشعرون بخطورة الوضع وبالانتكاسات الثقافية والسياسية التي أتحدث عنها هنا!


    [11-09-2017 09:06 AM]